أدب الثورة

ثورة فى الأدب

صحيفة يومية فكرية شاملة تصدر عن حركة اللجان الثورية

         الثورة الشعبية ثورة الغد واللجان الثورية أداتها

الصفحة الرئيسية

أولـــــــى

مـقـالات

أبحاث ودراسات

قضايا وتحليلات

مـحليـات

ريـاضـه

ثقافه وفنون

أخــيـرة

 

العلاقات العربية الإفريقية

الجذور التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية

 

 الجزء الأول/بقلم محمد لمين سيدي

إن العلاقات بين العرب والأفارقة قديمة ، ترجع لأكثر من ألفي عام ، فقد كانت إفريقيا والشرق العربي رقعة واحدة حتى انفلقت قشرة الأرض وفصل البحر الأحمر بينهما ، ورغم وعورة مسالكه لم يقف حائلا دون الاتصال البشري ، كما إن قدراً كبيراً من ذلك الاتصال كان ميسورا عن طريق باب المندب وشبه جزيرة سيناء ، وكانت سواحل المحيط الهندي الإفريقية والعربية تمثل نقاط تواصل مهمة بين المنطقتين ، وفي المحيط الهندي استقلت السفن العربية الرياح الموسمية لتسهيل رحلاتها ، بينما كانت سفن الصحراء « الإبل » وسيلة الاتصال البري عبر سيناء وحتى سواحل المحيط الأطلسي ، ومما يعكس عراقة الصلة بين العرب والأفارقة شدة التشابه العرقي واللغوي والثقافي بين الشعوب الناطقة باللغات الحامية والشعوب الناطقة باللغات السامية كالعرب والأمهرة والتقراني ، هذا التشابه جعل الباحثين يرجحون أن هاتين المجموعتين قد عاشتا في موضع واحد أو ربما منتميتان في أصولهما البعيدة إلى شعب واحد ، وتنتشر المجموعات الناطقة باللغات الحامية على السواحل الشرقية والشمالية لإفريقيا وتتكون من الصومال « القالا ـ أورومو » وبعض الأريتريين والبجة والنوبيين وقدماء المصريين وغيرهم  ويشمل بعض هذه اللغات بعض من الكلمات العربية وتؤكد هذه الصلة العرقية واللغوية بين سكان جزيرة العرب وسواحل إفريقيا الشرقية .

إن تبادل التأثير الثقافي بين المجموعتين ذو جذور عميقة حيث كان المجتمع العربي الجاهلي يزخر ببعض المجموعات الإفريقية التي استقرت بين العرب وانصهرت في بوتقة القبائل العربية عن طريق الولاء والانتماء الكامل ، ولا شك أن بعض هذه المجموعات شقت طريقها إلى العربية لعوامل غير الرق والغزو كالغزو الحبشي لليمن ، وكان لفظ الأحباش يشمل معظم سكان القرن الإفريقي « الصومال ، بلاد الحبشة ، إريترية وبلاد البجة  وقد تمثلت هذه المجموعات الإفريقية التي وفدت من الساحل الإفريقي تمثلاً كاملاً ولم يعد هناك ما يدل على أصولها الأولى سوى لون بشرتها .

ونتيجة للغزو الحبشي وجدت الديانة المسيحية دعما من الأحباش وبسبب هذا الاتصال وجدت بعض الألفاظ والاصطلاحات الحبشية طريقها إلى اللغة العربية وقد أشاد الرحالة الإغريقي بوبلوش Periplus صاحب كتاب « الكشاف البحري » الذي صدر في القرن الأول الميلادي بالوجود العربي في الساحل الشرقي لإفريقيا كما أشاد بكثرة السفن العربية في المحيط الهندي وبقدرة العرب على العيش مع الأفارقة دون حساسية ، بل وجدهم يتعاملون مع الأفارقة ويعرفون لغاتهم ويتاجرون معهم ، ولا يجد رؤساء القبائل الإفريقية حرجاً في التعاون مع هؤلاء الوافدين من البلاد العربية .

وكان العرب يحملون إلى إفريقيا الشرقية الخناجر والرماح والزجاج ويحملون منها العاج وقرون وحيد القرن وجلود السلحفاة وزيت النارجيل مما يوكد على وجود تبادل تجاري بين العرب والأفارقة .

ومع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي ازدادت وشائج الاتصال العربي ـ الإفريقي ، فقد أمد الإسلام العرب بسياج ديني وفكري ساعدهم على خلق وحدة وطنية وازدهار النهضة الثقافية ، وصار الإسلام الركيزة الأساسية للثقافة العربية الجديدة وأصبحت اللغة العربية ـ لغة القرآن ـ ووعاء الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية ، وتحت راية الإسلام خرج العرب صوب الشرق والغرب والشمال والجنوب لإعلاء كلمة اللّه ، وفي زمن وجيز تمكنوا من نشر الإسلام في أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية ، وكانت الطرق التي سلكها العرب المسلمون إلى القارة الإفريقية هي الطرق نفسها التي سار عليها أجدادهم من أجل التجارة أو الهجرة ، وأدى هذا التطور العظيم في حياة العرب إلى حدوث نقلة نوعية في تاريخ العلاقات الثقافية بين العرب والأفارقة فوق دعائم التعامل التجاري والهجرات البشرية ، قام العرب بدور إيجابي في نشر العقيدة الإسلامية وبسط نفوذها السياسي في إفريقيا .

وساعد انتشار الإسلام في رواج كثير من مظاهر الثقافة العربية كاللغة وتمثل النسب العربي ، وعليه أعطى الإسلام هذه العلاقات بعداً عقائدياً وأعطتها اللغة العربية محتوى لغوي وثقافي .

وكانت الحبشة أول اتصال رسمي للإسلام بافريقيا وهناك وجد العرب  المسلمون الحماية والرعاية في كنف ملك الحبشة المسيحي ، وبعد موجة الفتوحات العربية الإسلامية للشمال الإفريقي توالت هجرات القبائل العربية وزاد حجمها ، وفي تلك المنطقة تأصلت جذور الحضارة العربية الإسلامية وثقافتها ،وأصبح للشمال الإفريقي وسودان وادي النيل جزءًا لا يتجزأ من الأمة العربية وقد أظهر العرب في هذه المنطقة خصائص فريدة في التأثير على المجموعات التي خالطتها السكن من مصريين وبربر ونوبيين وأعطى العرب هذه الشعوب دينهم ولغتهم وكثير من مظاهر ثقافتهم ومن الشمال الإفريقي توغلت المؤثرات العربية الإسلامية عبر الصحراء إلى السودان الغربي حيث نشأت السلطنات السودانية الإسلامية التي جمعت في نظامها السياسي بين أنماط محلية ونظم عربية إسلامية وفيها تفاعلت الثقافة العربية الإسلامية مع المؤثرات الإفريقية واتسعت بذلك رقعة الدولة الإسلامية حتى شملت معظم السواحل الشرقية من الجزء الجنوبي وكان لهؤلاء العرب المسلمين دور في بناء تاريخ المنطقة كما صاروا  يشكلون مركز ثقل سياسي وظلوا على صلة وثيقة بالوطن العربي في المشرق وفي شمال إفريقيا وذلك بفضل العلاقات الدينية والصلات الثقافية والبعثات التعليمية والتعامل التجاري الواسع في الماضي وما جدّ من تعاون سياسي واقتصادي اليوم .

وإذا كانت هذه أمثلة على العلاقات القديمة بين العرب والأفارقة في شرق القارة وشمالها ، فقد شهد التاريخ الوسيط ازدهارا في العلاقات العربية الإفريقية ، في كافة المجالات خاصة في المجال الاقتصادي والثقافي ، حين سجل التاريخ تدفق العرب على شرق إفريقيا في فترات الاضطراب التي أعقبت وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فنجد نشاطا عربيا تجاريا وثقافيا أينما حلوا ، سواء بالساحل الإفريقي الشرقي أو بوسطها أو شمالها ، وخير مثال على ذلك هو تعاملهم في تجارة الحديد من زيمبابوي ، كما كثر وجود الزنوج الأفارقة في الدول العربية الإسلامية وكان لهم نشاط  سياسي  كبير  ، وخير دليل على ذلك ثورة الزنوج زمن العباسيين .

أما في العصر الحديث فقد شهدت العلاقات العربية الإفريقية تطوراً مهما خاصة بعد تنامي الحركات الاستقلالية والكفاح من أجل التحرر من السيطرة الاستعمارية ، وقد أدى ارتباط النضال العربي ـ الإفريقي إلى تطور العلاقات العربية الإفريقية ودخولها طور الحوار العربي ـ الإفريقي الرسمي عام 1977 بانعقاد قمة « مارس » العربية ـ الإفريقية ، هذه القمة التي جاءت توصيتها تحث على ضرورة تطوير التعاون العربي الإفريقي في كافة المجالات .. إلا أن التعاون العربي ـ الإفريقي مايزال دون المستوى المطلوب شعبياً ، وخاصة بعد تجميد الحوار العربي ـ الإفريقي طوال أعوام 1979، 1980، 1981 .

ولذا يجب البحث عن وسيلة ورؤية مستقبلية لمعالجة وإعادة التعاون إلى مجراه ، كما يتوجب على الطرفين إيجاد أنجع الوسائل لاستئناف الحوار العربي الإفريقي عن طريق أجهزة التعاون العربي الإفريقي تجسيداً للمبادىء التي أقرها مؤتمر القمة العربي - الإفريقي المشترك في مارس 1977 .

هذا باختصار أهم معالم العلاقات العربية ـ الإفريقية ، ويتضح مما سبق ذكره عمق الروابط التاريخية العربية الإفريقية .

 

 

هيئة إصدارات الزحف الأخضر 2008 ف – جميع الحقوق محفوظة