أبحــاث و دراسـات
ساركوزي ضد العلمانية | ساركوزي ضد العلمانية |
|
|
|
لقد سمعت ، مباشرة ، خطاب ساركوزي في الجمعية الوطنية الفرنسية ، التي اجتمعت في قصر فرساي ، ويبدو واضحاً أن العزة والنشوة ذهبت به بعيداً جداً ، تراجع حركة اليسار الفرنسي ، تركت له الميدان فسيحاً .
إنه أول خطاب لرئيس جمهورية فرنسية في الجمعية الوطنية منذ أكثر من قرن ، وفي فرساي ، وهو رمز له ، أكثر من معنى .
أنا لن أناقش ماطرحه ساركوزي ، كشخص ، إذ لايعرف عنه أنه مفكر أو فيلسوف ، وعلى كل حال من حقه أن يطرح مايشاء .. وإنما أناقش رئيس جمهورية فرنسا ، مهد العلمانية ، وثورة 1789 ـ 1848 ، وثورة الكومون 1871 ، وهل ماذهب إليه بهذه الصفة ، يعبر حقاً عن موقف دولة علمانية ، أم على العكس هو ضد العلمانية .
لنستعرض أولاً ماهي علمانية الدولة .
إن لدي القدرة على الرجوع إلى مصادر العلمانية نفسها ، لقد تخرجت من الجامعات الفرنسية ، وليس ساركوزي مرجعاً فيها ، إذن لنحتكم إلى العلمانية نفسها ، لنرى ماإذا كان ماذهب إليه رئيس جمهورية فرنسا هو حقاً علمانية .
العلمانية ، بكل اختصار ، وفق ماتجمع عليه مصادرها ، وبدون استثناء ، هي حيادية الدولة فيما يتعلق بالشأن الديني ، والذي يعني أنه ليس للدولة نصرة دين أو قمع دين ، كل دولة تفرض ديناً ، ليست علمانية ، وإنما دولة طالبان ، وكل دولة تقمع ديناً ليست علمانية .
كل دولة تدار بأغلبية سياسية ، لذلك لايحق لها، إذا كانت من دين معين ـ الكاثوليكية في فرنسا ـ التشريع فيما يتعلق بأديان الأقليات ـ مسلمون ، بروتستانت ، يهود ـ وأكثر من هذا لايجوز لرئيس الدولة الفرنسية ، تقمص دور شيخ الأزهر أو بابا روما ، وأن يفتي بأن البرقع أو الحجاب ليس رمزاً دينياً .
الدولة العلمانية ليست بابا روما ، كما ليست مفتي ، وليس لها اختصاص تحديد ماهو وماليس هو رمزاً دينياً .
إذا مسلمو فرنسا ، أو أي دين آخر ، في فرنسا ، أو في كل دولة علمانية ، قرروا أن أمراً ما هو رمز ديني ، ليس للدولة حق الاعتراض عليه أو منعه ، إن فعلت فإنها تنتهك أخص خصوصيات الإنسان : حياته الروحية ، وتتحول عندئذ من دولة علمانية إلى دولة ضد العلمانية ، لهذا السبب تعتبر تركيا دولة غير علمانية ، وربما هذا أحد مبررات ساركوزي ضد دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي .
في هذه الحالة ، يمكن الاعتراض ، بأنه إذا كل مايعتبره اتباع دين ما ، رمزاً دينياً ، ليس للدولة منعه أو الاعتراض عليه ، لكن ماذا لو كان هذا الرمز ضاراً بالآخرين ؟ هل تسمح الدولة لأتباع دين ما بالحاق الضرر بغيرهم ، بحجة مايعتبرونه رمزاً دينياً ؟.
في هذه الحالة أليست هذه الدولة مائعة أكثر منها علمانية؟
للعلمانية في هذه الحالة موقف أيضاً علماني ، الدولة العلمانية ليست دولة ترك الحبل على الغارب ، إن لها حق التدخل لمنع أي طائفة ، كنيسة ، أو دين ، من الحاق الضرر بالآخرين ، ولكن في هذا وحده حدود تدخلها .
لننظر وفق هذا المبدأ العلماني ، فيما إذا كان ارتداء مايسمى برقع أو حجاب ، يضر بالآخرين ، وبالتالي يعطي للدولة العلمانية حق ومبرر للتدخل ، لكن هذا التدخل في هذه الحالة ، ليس في شأن ديني ، وإنما في شأن عمومي ، وهو مجال الدولة :
منع الإضرار بالشأن العمومي .
منطقياً ، عقلانياً ، وأيضاً عملياً ، لاأرى أن ارتداء البرقع أو الحجاب يلحق ضرراً بالآخرين ، وإذن لايمكن التسليم بأن امرأة ترتدي برقعاً أو تضع حجاباً ، تضر بالآخرين ، إذا اعتبرنا أن الحجاب أو البرقع يضر بالآخرين ، فإننا ، على العكس ، نجد أن التعري أشد ضرراً ، لأنه ، ببساطة ، يثير ماهو بهيمي في الإنسان ، قد يعترض على ماقلناه ، بأن مانسميه تعرياً هو ممارسة الحرية ، العراة على شواطيء سان تروبى ، يمارسون حريتهم .
أسلم لهم بهذا ، لكن كيف يكون التعري تعبيراً عن الحرية ، ولاتكون الحشمة أيضاً تعبيراً عن الحرية ؟.
عندما نسلم بحرية الإنسان ، شرطاً أساسياً لإنسانيته ، لايكون لأحد حق الاعتراض على أن يتعرى أو يحتشم ، هذا أمر يخصه ولايخص الدولة .
أنا شخصياً لست مع البرقع أو الحجاب ، لكن ، أيضاً ، لأني أؤمن بحرية الإنسان ، والعقيدة الدينية مجالها بامتياز ، لست ضدهما ، مادام سلوك الإنسان ورموز دينه لاتضر بغيره ، وتنحصر في حياته الشخصية ، فإن له مطلق الحرية ..
منطقياً ، عقلانياً ، إذا كانت الملابس التي تكشف أكثر مما تستر ، لاتضر بالآخرين ، ولاتعطي للدولة حق التدخل ، فإن الاحتشام ، بأي شكل كان ، لايضر بالآخرين ، إذن ليس من حق الدولة التدخل فيه .
الدولة العلمانية حقاً ليست مفتي ، وليست دولة الاكليرجي ، وليس لها تفسير وتحديد ماهو رمز ديني وماليس رمزاً دينياً ، مقياس تدخلها فقط هو الإضرار بالآخرين .
الحجة التي سمعتها من بعض أنصار قانون منع الحجاب في المدارس الفرنسية ، هي إرادة تسهيل وتشجيع اندماج المسلمين في المجتمع ، لكن هل اندماج المسلمين يكون على حساب مايعتبرونه عقيدتهم ؟.
هل بأن يفرض عليهم الاندماج في ثقافة غيرهم ؟
على عكس هذه النية ، المفترضة حسنة ، منع ارتداء البرقع أو الحجاب ، أو غطاء الرأس ، مادياً ، بدعوى تسهيل وتشجيع الاندماج بازالة مايعتبر حاجزاً ، لن يلغي هذا الحاجز ، على العكس يحوله من حاجز مادي إلى حاجز سيكلوجي ، مما يمنع الاندماج المطلوب .
من ناحية أخرى ، حسب علمي ، لايوجد في الهيئة التشريعية ، التي تسن مثل هذا المنع ، وحيث يخطب ساركوزي ، أي نائب مسلم تقريباً ، والذي يشعر به المسلمون على أنه تشريع اتباع دين ضد دين آخر ، دين الأغلبية ضد دين الأقلية ، نتيجة هذا ضرورة ، شعور المسلمين بالظلم والاضطهاد ، مما يقوي الحاجز المانع للاندماج .
إذا كنت أنا شخصياً ، لست مؤمناً بأن الحجاب والبرقع رمز ديني ، قد شعرت بالظلم والغبن مما سمعته ، فكيف يكون حال من يعتقدهما رمزاً دينياً ؟
نأتي لحجة ساركوزي الأخرى ، البرقع والحجاب امتهان لكرامة المرأة ، وتعبير عن عدم احترامها .
هذه الحجة تفترض أولاً ، أن الحجاب والبرقع مفروضان على المرأة ، وليس من اختيارها انسجاماً مع عقيدتها .
وهذا لايمكن البرهنة عليه ، خاصة في دولة علمانية ، يمكن ادعاء هذا في افغانستان طالبان ، وليس في فرنسا العلمانية ، إلا إذا كان ساركوزي (يعلم مافي الصدور) .
يمكن افتراض أن البرقع والحجاب مفروضان على المرأة ، كما يمكن أيضاً افتراض أنهما اختيارها الحر انسجاماً مع عقيدتها .
كيف للدولة أن تعرف ماإذا كانا مفروضين أو اختياراً حراً ، وعندما تدعي تحرير المرأة ، المفروض عليها البرقع والحجاب ، ألا تنتهك حرية المرأة التي اختارت البرقع أو الحجاب بحريتها ؟ مثل هذه الأمور لايعالجها القانون ، وليست من اختصاص الدولة .
إذن ماذا لو كان ارتداء البرقع أو الحجاب ، أو غطاء الرأس عن قناعة ذاتية ، وعن إيمان بأنه يمثل جزءاً من العقيدة ؟ وليس مفروضاً ، ألا يعبر منعه قانوناً عن انتهاك حرية المرأة وعدم احترام خياراتها الروحية ؟.
إذا أراد السيد ساركوزي ، رئيس جمهورية فرنسا ، حقاً احترام المرأة ، وصون كرامتها ، لماذا لايلقي نظرة على مايجري في البيقال ، وفي غابة بولونيا ، وفي أماكن أخرى ، حيث المرأة سلعة مسعرة حسب أوضاع المتعة وحيث تعرض نفسها عارية (من أجل الحياة ترقص بلا حياء) وحيث تعرض المرأة مفاتنها إغراء للزبائن من أجل لقمة العيش وليس ممارسة للحرية ؟
أليست هذه المرأة أحق بما يحفظ لها كرامتها واحترامها كإنسان ، وليست مجرد آلة لذة في خدمة من يدفع ، من المرأة المحتشمة ذات البرقع أو الحجاب ؟.
احصائياً عدد النساء المجبرات على الدعارة ، في أشكالها المختلفة يفوق جداً عدد النساء المرتديات البرقع أو الحجاب ، من الواضح أن المرأة التي (من أجل الحياة ترقص بلا حياء) مجبرة على ذلك من أجل لقمة العيش . فلماذا لاتحرر هذه المرأة من هذا الإرغام ؟ هذا من واجبات الدولة الأساسية .. لكن هذا ضد حرية السوق حيث المرأة سلعة !
وأنا استمع لخطاب رئيس جمهورية فرنسا ، تتراءى أمامي جيوش فرساي تزحف على كومونة باريس . وتغرقها في الدم فاتخيل فرساي مجدداً تزحف على العلمانية وتغرقها في سيل من التشريعات ، وأكاد أسمع صهيل خيول الامبراطور ، وآهات الجرحى ، وأكاد أرى بريق السيوف ، وجثث آلاف المسيحيين في مجزرة بير تليمى ، الذين قضوا على يد طائفة أو كنيسة من كنائسهم ..
لكن يبدو أن الضحية هذه المرة ، ليس البروتستانت وليس اليهود ، وإنما مسلمو فرنسا.
إن أخطر واسوأ مايواجه أي فكرة ، وهذا ينطبق على العلمانية ، أن تتخذ ذريعة لسياسات أخرى تتعارض أساساً معها ، وأن يتولى النطق باسمها سياسيون .
لقد تمخضت فرنسا فولدت ساركوزي ..
ثمة غائب في هذا الجدال ، منظمات حقوق الإنسان ، في مهد إعلان حقوق الإنسان والمواطن ، والتي تقيم الدنيا ضد مايتبدى لها انتهاكاً لحرية الإنسان ، وحرية العقيدة ، في مكان ما ، ألا تتحرك لوضع حد لانحراف الدولة العلمانية ؟ ألا تتحرك دفاعاً عن حرية العقيدة في فرنسا ؟ أم أنها سوف تفعل ماتفعله مثيلاتها في أماكن أخرى :
تبرير ســلوك الدولة .
أنا لست مع الحجاب أو البرقع ، كما لست ضدهما ، أنا مع حرية الإنسان وضد كل ماينتهكها ، معيار واحد وليس متعدداً حسب موطن الإنسان .
أخيراً
ماكتبته وماساكتبه لايلزم غيري ، فأنا مجرد أستاذ فلسفة ، درستها في الجامعات الفرنسية وليس في الأزهر ، لاأطيع في تفكيري إلا ماأراه حقاً وصواباً ، وقد جانب ساركوزي الحق ، وانحرف عن الصواب ، لذلك أقول لكل الذين أساءهم وأساء إليهم خطاب ساركوزي ، لاتحملوه على العلمانية ، إنها منه براء ، ساركوزي ليس ناطقاً باسمها ، إنه ضد العلمانية .
أ.د. رجب بودبوس
اليوم الخميس - العدد (5608) |
|
| آخر تحديث ( 11/07/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|