الـعــدد 5791
الــرئــيــسـيـة arrow قضايا و تحليلات arrow الديمقراطية وحقوق الإنسان
الديمقراطية وحقوق الإنسان طباعة ارسال لصديق
إن مشكلة حقوق الإنسان تعتبر من أهم المشاكل المتأصلة داخل المجتمعات الإنسانية كافة على اختلاف أشكالها وألوانها وتنوع معتقداتها الدينية والسياسية ، حيث ظلت مشكلة حقوق الإنسان مشكلة قائمة بسبب عدم جدية النظم السياسية في حلها من جانب - وعدم ارتكاز تلك الحلول على مبادىء موضوعية تتسم بالثبات والاستقرار والمنطقية العقلانية التي تدعم تلك الحقوق بشكل طبيعي يتمشى مع كافة نواميس الحياة سواء تلك السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ، بل تذهب بعض الدراسات القانونية إلى حد الأبعاد الدينية .
ويرتبط مفهوم الديمقراطية مع مطلب الحق الإنساني فى امتلاك مقدراته الطبيعية كونها مطالب مادية ، والتعبير عن أهوائه كونها مطلباً معنوياً، لذلك نقول لايمكن أن تكون هنالك ديمقراطية بدون احترام حقوق الإنسان ولا توجد حقوق إنسان بدون ديمقراطية ، بمعنى أن مفهوم حقوق الإنسان مرتبط بمدى المشاركة الفردية فى السلطة ، أى مشاركة الفرد في صنع القرار ، فعندما تكون المشاركة فى السلطة مباشرة   كان الفرد أقرب إلى حقوقه كونه يشارك فى تحديدها ، وتكييفها ، وتحقيقها بنفسه ، أما في حالة السلطة غير المباشرة .. أي أن يمارس الفرد السلطة عبر الأحزاب أو التمثيل النيابي ، حينئذ يكون الفرد بعيداً عن حقوقه ، بل إن حقوقه تنتهك ولايستطيع آنذاك فعل شيء سوى الاحتجاج والتظاهر، بل إنه في واقع النظم النيابية فإن الحقوق تعطى للفرد منحة أو عطية من صاحب السلطة .
وتظهر مشكلة حقوق الإنسان حتى من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نتيجة ارتباطه وتأثره منذ نشأته - بنظم سياسية ديمقراطية .
بل هي نظم سياسية ساهمت في إنشائه وفق مصالحها وما تمليه عليها ثقافتها المبنية على الاستغلال دون أخذ رأي الآخرين ، لأن أغلب الدول في القارة الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية كانت تحت الهيمنة الاستعمارية في ذلك الوقت ، فبالتالي هذا الإعلان لايلبي حقوق الإنسان في تلك الدول المتطلع أفرادها إلى المشاركة الإيجابية في صنع القرار والمشاركة في التمتع بالإنتاج الاقتصادي والثقافي داخل دولته والمتطلع إلى نظام عالمي يكفل حق جميع الدول وشعوبها فى المشاركة الإيجابية فى صنع القرار الدولي بالتساوي بين جميع الدول دون وجود فرص الهيمنة والتبعية .
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان رهين الفكر السياسي والاقتصادي الذي صاغه النظام الليبرالي في الغرب والنظام الشيوعي فى الشرق - سابقاً - فهو يقوم على تحكم النخبة سواء أكانت هذه النخبة أحادية أم متعددة ، وأن هذا الفكر لن يكون بأي حال من الأحوال نهاية التاريخ - كما يدعي واضعو الإعلان العالمي- بل ثبت أنه قابل للتطور وتطوره يستوجب تطوير الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي بما يتمشى مع متطلبات الفرد .. كما أثبتت النظرية العالمية الثالثة مع نهاية الألفية الثانية .
ويمكن أن نلتمس تحيز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 . التمور . 1948 فى مادته الحادية والعشرين التي جاء فيها : "لكل فرد الحق فى الاشتراك فى إدارة الشؤون العامة للبلاد إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً ".
فهذه المادة تشير إلى نمطين أو أسلوبين من المشاركة فى إدارة شؤون الدولة - المشاركة المباشرة أو المشاركة غير المباشرة .
فنجد أن هذا المبدأ يقر من حيث المبدأ نظام الديمقراطية المباشرة آخذاً بأدبيات الثورة الفرنسية وبخاصة فكر " جان جاك روسو" وفي الوقت نفسه نظام الديمقراطية غير المباشرة وفق وثيقة الاستقلال الأمريكية .
إن النظام السياسي والاقتصادي الدولي إذا لم يكن ديمقراطياً وعادلاً هو الآخر فإنه يشكل أكبر عائق لتحقيق مبدأ حقوق الإنسان في أية دولة من الدول ، لأن وضع الدولة السياسي والاقتصادي فى المحيط الدولي له أثر مباشر في تكييف حقوق أفرادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .. بمعنى إذا كانت خيارات التطور والتقدم أمام دولة من الدول محدودة ومقيدة بنظام عالمي خاضع سياسياً اقتصادياً لنخبة من الدول الصناعية أو النووية فلابد أن تكون خيارات الفرد السياسية والاقتصادية فى تلك الدولة محدودة ومقيدة تبعاً لذلك ، وبالقدر نفسه تكون الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية متأثرة بالنظام الاقتصادي العالمي عندما يكون غير عادل وقائم على علاقات تبادلية غير متكافئة .. عندها كيف يضمن الأفراد في الدول النامية حقوقهم الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثل حق الضمان الاجتماعي ، حق العمل ، حق التعليم ، حق التمتع بنظام صحي عادل وحق ممارسة السلطة في ظل النظام الاقتصادي العالمي الذي أدى إلى الكارثة المالية العالمية ، مع غياب الديمقراطية فى نظام العلاقات العلمية و(التكنولوجية) الدولية ؟ .
إن ما يشهده العالم اليوم من مظاهر متعددة للاستهانة بحقوق الإنسان يستوجب مزيد العمل في مستويات التشريع ، والرقابة ، والمتابعة ، وتبادل المعلومات ، وبناء الأجهزة والمؤسسات المتخصصة ، فمازال واقع الحال الدولي يقتضي القضاء على ممارسات الإبادة الجماعية والقتل الجماعي والإعدامات التعسفية أو تلك التي تنفذ دون محاكمة والتعذيب وحالات الاخفاء والاسترقاق والتمييز وتفشي الفقر واضطهاد الأقليات .
ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن حقوق الإنسان تتميز بعديد المزايا المرتبطة بطبيعة الإنسان من جهة ، وبكونها حقوقاً محددة من جهة أخرى ولها خصائص نذكر منها :
- إن حقوق الإنسان لاتشترى ولاتباع ، وهي ليست منحة من أحد ، بل هي ملك للبشر بصفتهم بشراً .
- إن حقوق الإنسان هي نفسها لكل بني البشر، بغض النظر عن اللون والعرق والدين والجنس والرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي فنحن جميعاً ولدنا أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق .
- لا يملك أحد الحق في حرمان شخص آخر منها مهما كانت الأسباب حتى لو كانت القوانين في بلد ما لاتعترف ذلك .. بمعنى أن انتهاك الحقوق لايعني عدم وجودها فهي غير قابلة للتصرف .
- إن حقوق الإنسان هي وحدة واحدة وغير قابلة للتجزئة ، فحقوق الإنسان سواء أكانت سياسية أم مدنية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية هي وحدة واحدة تنطوي على الحرية والأمن والمستوى المعيشي اللائق .
- إن حقوق الإنسان في حالة تطور مستمر .. كما أنها مرتبطة بالإنسان بصفته إنساناً ، فحاجة الإنسان إلى ارتفاع مستواه المادي والروحي في حالة تطور مستمر يستوجب معه تطوير الحقوق والواجبات وكثيراً ما ينظر إلى حقوق الإنسان على أنها قيم ومبادىء حديثة بالنظر إلى الاهتمام الفائق بالدعوة لها والمطالبة بها في الآونة الأخيرة - وحقيقة الحال أن حقوق الإنسان والمبادىء المستمدة منها قديمة قدم التاريخ ومستمدة من كل الأديان السماوية والموروث الإنساني برمته أو بإيجاز بسيط تشكل حقوق الإنسان القاسم المشترك بين المجتمعات والحضارات المختلفة في العالم.
وأن أصل الحق في القانون الليبي يمثل فكرة أساسية لايمكن فهم القانون الليبي من دونها ، فالقانون الليبي " المدني " نجد فيه هذه العناوين المعبرة مثل : القانون والحق - استعمال الحق المشروع - الاستعمال غير المشروع للحق - الالتزامات أو الحقوق الشخصية - الحقوق العينية ... إلخ
كما يؤكد قانون العقوبات الليبي تجريمه للسلوك الذي يشكل إعتداء على حقوق الغير مثل : القتل ، السرقة .. الخ 
وفي الإعلان الدستوري الصادر بعد قيام الثورة عام 1969 نجد أن فكرة الحق لم تغب بل كانت ظاهرة من خلال المادة الثامنة من الإعلان الدستوري التي نصت على أن الملكية العامة للشعب أساس تطوير المجتمع وتنميته وتحقيق كفاية الإنتاج،والملكية الخاصة المستغلة مصونة ولا تنتزع إلا وفقاً للقانون ، والإرث حق تحكمه الشريعة الإسلامية .
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن المشرع الليبي لم يتبن الاتجاه لوجود الحق ، وأن التشريعات الليبية التي أوردناها - على سبيل المثال - تؤكد أن الحق يجد أساسه في القانون الليبي وليس العكس .. كما أن وثيقة إعلان قيام سلطة الشعب الصادرة بتاريخ 2 . الربيع .1977 لم تتطرق لمسألة وجود الحق الأمر الذي يفهم منه أن الحق لم يمس وقانون تعزيز الحرية يؤكد هذه الحقيقة كما هو الحال فى المواد ، الحادية عشرة، الثانية عشرة ، و الثالثة عشرة .. كما يؤكد القانون رقم عشرون لعام 1991مسيحي بشأن تعزيز الحرية المعاني المتقدمة للحرية حيث ورد في مادته الثانية أنه " لكل مواطن الحق في ممارسة السلطة وتقرير مصيره في المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ، ولا يجوز حرمانه من عضويتها أو من الاختيار لأماناتها متى توفرت الشروط المقررة لذلك ".
كما عالجت الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان حق الإنسان في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده عن طريق الديمقراطيةالمباشرة ، فإنها أقرت كذلك حق الإنسان في الرأي والتعبير والتفكير ، والاشتراك في الجمعيات السلمية ، فقد نصت على حق الإنسان فى الرأي والتعبير عن رأيه علناً فى الهواء الطلق . وحرمت العمل السري واستخدام القوة والعنف والارهاب وهي تنبذ العنف وسيلة لعرض الأفكار والآراء وتقرير الحوار الديمقراطي .. لهذا اعتبرت الوثيقة الخضراء أن حرية الإنسان المطلقة هي الأصل وأن تقييدها هو استثناء تمليه مصلحة المجتمع إذا خرج الإنسان عن نواميس مجتمعه وقوانينه 
إعداد : أ . مرعي علي الرمحي
أستاذ العلوم السياسية جامعة قاريونس
تعليقات
أضف جديد بحث
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 
تأكيد رقم الكود الأمني الرجاء إدخال الأرقام الموجود علي الصوره.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث ( 03/08/2009 )
 
< السابق   التالى >