الـعــدد 5790
الــرئــيــسـيـة arrow قضايا و تحليلات arrow الشراكة الأورومتوسطية ( 3 )
الشراكة الأورومتوسطية ( 3 ) طباعة ارسال لصديق
 
يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة باتجاه عام نحو التكتل الاقتصادي وظهور تجمعات اقتصادية إقليمية دولية لها أهمية أكبر وأكثر حجماً، وأصبح الصراع والتنافس على الأسواق السمة البارزة لهذا الاتجاه، ومن أهم هذه التكتلات الاقتصادية السوق الأوروبية الموحدة، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1992 مسيحي ، وتعد واحدة من عمليات التغير الكبرى التي تحصل الآن في النظام الاقتصادي العالمي. وتمثل بداية التبلور لقطب جديد يحمل إرهاصات نظام لامناص من أن يحدث تغيراً جوهرياً على خريطة المنظومة الرأسمالية بشكل عام وعلى مسار النظام الإقليمي العربي بشكل خاص.
والشراكة المتوسطية برنامج عمل متكامل للمنطقة المتوسطية يرتكز على خطة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري من ناحية، وعلى الجوانب السياسية والأمنية من ناحية أخرى.. والشراكة المتوسطية مفهوم أوروبي أكثر مما هو مفهوم متوسطي خالص. ونتيجة لإعادة تنمية العلاقات الاقتصادية التجارية لأوروبا مع جيرانها على ضفاف المتوسط، تنطلق الشراكة من المتطلبات السياسية والأمنية وليس من مبدأ الطبيعة المتميزة التي حاكها الجوار والتاريخ.
الاستقرار والأمن المتوسطي:
تحظى قضية الاستقرار والأمن في البحر المتوسط باهتمام دول الاتحاد الأوروبي ، لا سيما أن أوروبا عانت من حربين عالميتين مدمرتين خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ويرتبط الاستقرار والأمن في حوض البحر المتوسط بالاستقرار السياسي والاقتصادي في الدول المتوسطية ، وبالتالي فإن تخبط عمليات التنمية وأنتشار البطالة والفقر في الدول المتوسطية ، خاصة دول المغرب العربي ، لا يؤدي فقط إلى بروز حالة عدم استقرار في الدول المتوسطية ، ولكنه يؤدي أيضاً إلى بروز حالة عدم استقرار الأمن في حوض البحر المتوسط ، خاصة أن أوروبا تؤكد على خطورة الهجرة غير الشرعية إليها من قبل المهاجرين من الدول المتوسطية ، إلى جانب قضايا أخرى ، مثل : تهريب المخدرات ، والإرهاب والتطرف الديني ، فالقضايا الأمنية في إطار النظام العالمي الجديد وعصر العولمة أخذت بعداً جديداً ، يستلزم بطبيعة الحال التنسيق والتعاون بين الدول المعنية .
الشرق أوسطية:
طالما أن عملية برشلونة تضم الدول الأوروبية من ناحية والدول المتوسطية من ناحية أخرى ، فإن الدول المتوسطية ستقتصر في نهاية المطاف على الدول العربية المتوسطية و (إسرائيل ) ، على أساس أن تركيا ومالطا وقبرص قبلت في عضوية الاتحاد الأوروبي وأنها تنضم إلى الاتحاد الأوروبي بعد استيفاء شروط العضوية المتعارف عليها ، ومن ثم ففشل قيام مشروع الشرق أوسطية بزعامة الكيان الصهيوني دفع الاتحاد الأوروبي إلى إقامة شراكة أوروبية - متوسطية ، تتمتع فيها ( إسرائيل ) بعضوية كاملة ، ولكن ليست بالضرورة عضوية مهيمنة على غرار ما كان يوجد في إطار السوق الشرق أوسطية المقترحة.
إذن الشراكة الأوربية المتوسطية تحقق ( لإسرائيل ) أهدافها الاستراتيجية ، حيث يمكنها عن طريق الشراكة لو نجحت - التغلغل في العالم العربي ، وبالتالي ستصبح شريكاً لأوروباً في باقي المجالات المختلفة .
مطالب جامعة الدول العربية تجاه الشراكة:
بالرغم من أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لا تلعب نفس الدور الذي تقوم به المفوضية الأوروبية في إطار عملية برشلونة، إلا أنه يلاحظ بأن الجامعة العربية تلعب دوراً ملحوظاً في تنسيق مواقف الدول العربية - المتوسطية تارة عن طريق عقدالاجتماعات التنسيقية التي تعقد على هامش اجتماعات مجلس الجامعة العربية ، وتارة عن طريق اتخاذ قرارات تجسد الموقف العربي تجاه عملية برشلونة.
ولجامعة الدول العربية عموماً مجموعة من المطالب تجاه الشراكة الأوربية - المتوسطية ، ويمكن تلخيص أهم المطالب في مجموعة النقاط التالية:
1- المطالبة بإسراع انضمام كل الدول العربية - المتوسطية إلى الشراكة الأوروبية المتوسطية ، لا سيما كل من ليبيا وموريتانيا اللتين تعتبران دولاً متوسطية بحكم الجغرافيا والتاريخ .
2 - المطالبة بمشاركة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية اجتماعات الشراكة ، وذلك على غرار الدور الذي تقوم به المفوضية العامة للاتحاد الأوروبي في عملية برشلونة ، فإذا كانت أوروبا تتعامل مع الشراكة في إطار تنظيمها الإقليمي المتمثل في الاتحاد الأوروبي ، فلماذا لا يسمح للعرب بالقيام بدور مماثل يظهر تلاحمهم الإقليمي .
3 - المطالبة بمشاركة عربية كاملة في الشراكة الأوروبية - المتوسطية حيث إن ذلك يدعم العلاقات العربية الأوروبية من ناحية ، ويبدد المخاوف العربية المتعلقة بسياسة التجزئة التي تعكسها عملية برشلونة من ناحية أخرى ، فاستبعاد معظم الدول العربية من الشراكة الأوروبية - المتوسطية يزيد من وطأة حالة التجزئة التي يعيشها النظام الإقليمي العربي ، لا سيما أن أوروبا دخلت إلى عملية برشلونة كجماعة موحدة ، وبالتالي فلماذا لا يفعل العرب الشيء نفسه ؟.
4 - مطالبة الجانب الأوروبي بمراعاة المصالح في إطار عملية برشلونة ، حيث إن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال احترام وجهة النظر العربية تجاه القضايا والمبادئ التي أكد عليها إعلان برشلونة لعام 1995، وبالتالي فإن مراعاة واحترام الجانب الأوروبي للمصالح العربية سيعزز بدون شك العلاقات العربية الأوروبية.
- موقف الجماهيرية الليبية من موضوع الشراكة الأوروبية المتوسطية :-
لقد عارضت الجماهيرية الليبية مسألة الشراكة من حيث الشكل والموضوع بناء على الاعتبارات التـــالية :
1- إن تعامل أوروبا مع الشراكة في إطار الاتحاد وعدم وجود إطار موحد يجمع الدول المتوسطية ، أدى في واقع الأمر إلى بروز شراكة غير متوازنة أو متكافئة تمسك فيها أوروبا بزمام الأمور ، الأمر الذي يعني أن الشراكة تحقق المصالح الأوروبية أكثر من تحقيقها المصالح العربية بشكل خاص .
2 - إن الشراكة المتوسطية تعتبر محاولة استعمارية أوربية جديدة الهدف منها بسط النفوذ والسيطرة على حوض البحر المتوسط بشكل خاص ، وعلى العرب وإفريقيا بشكل عام ، وبالتالي فإن ليبيا ترفض الشراكة بصيغتها الحالية ، فالشراكة البناءة بالنسبة إلى ليبيا هي تلك الشراكة التي يمكن أن تقدم على أساس قارى في صورة " فضاءات كبرى " حيث تشمل في غضويتها الدول العربية والإفريقية معاً.
3 - إن محاولة سعى أوروبا إلى غرس (إسرائيل ) في الوطن العربي عن طريق الشراكة الأوروبية - المتوسطية لن تكلل بالنجاح طالما أن ( إسرائيل ) مازالت تحتل الأراضي العربية وتشرد وتقتل الفلسطينيين .
فالهدف الأوروبي من الشراكة بعد فشل مشروع الشرق أوسطية يتمثل في دفع الدول العربية إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني ، والتعامل معه كشريك بالرغم من عدوانيته وعنصريته .
4 - إن هدف الاتحاد الأوروبي من الشراكة يتجسد في فرض قيمه وأيديولوجيته على الوطن العربي ، حيث أن إعلان برشلونة يجسد المقولات الليبرالية والرأسمالية والتعددية والفردية ، ولكن ما يصلح في الغرب لا يصلح بالضرورة في الشرق ، وبالتالي فإن الشراكة لا تلائم الدول العربية ، التي لها تراثها وقيمها النابعة من الإسلام والعروبة .
5 - إن التعاون المتوسطي يجب أن يتم في إطار حوض البحر المتوسط ، خاصة في إطار (5+5) أو (6+6) فليبيا تؤيد التعاون المتوسطي المحدود ، الذي يشمل دولاً متوسطية معينة على أساس الندية وعلاقات حسن الجوار ، أما فيما يتعلق بالشراكة ، فإنها يجب أن تتم على أساس قاري " فضاءات " كما تفعل أوروبا مع آسيا في إطار الشراكة الأوروبية الآسيوية .
6 - معارضة الدول العربية المتوسطية لتأسيس أوروبا لقوات تدخل سريع هدفها المحافظة على الأمن والاستقرار الأوروبيين ، أو التدخل في أية أزمة رتؤثر على مصالح أوروبا ، مثل التدخل لحماية منابع النفط أو التدخل بقصد حماية الرعاية الأوروبية في الخارج .
فالدول العربية تعارض تأسيس قوات سريعة من قبل الدول الأوروبية لأنها ستكون موجهة في المقام الأول ضد الوطن العربي على وجه العموم ، والشمال الإفريقي على وجه الخصوص ، لا سيما أن لأوروبا مصالح ملحوظة في المنطقة.
7- بالرغم من أنها شراكة اجتماعية ثقافية فإن الدول الأوروبية تستخدم فكرة التعددية العرقية والثقافية وسيلة ضغط تحت شعار حماية حقوق الأقليات ومنع انتهاك حقوق الإنسان .
وتكمن خطورة الدعوة إلى التعددية والعرقية الثقافية في إمكانية تحريض البربر في الغرب العربي ، مثلاً والأقباط في مصر ، والشيعة أو الدروز في سوريا ولبنان من قبل قوة معادية للأمة العربية ، وبالتالي فإن الدول العربية المتوسطية ترفض بشدة فكرة التعددية العرقية والثقافية على اعتبار أن عاملي التاريخ والمصلحة المشتركة يدفعان الشعب العربي إلى التلاحم والوحدة وليس إلى مزيد من الفرقة.
إن ليبيا ترى أن عملية الشراكة الأوروبية المتوسطية يحكمها عاملان، العامل الأول يتعلق بمدى ما تمثله السياسة الخارجية الليبية من اعتبارات أيديولوجية تتسم بالرفض للاستسلام والتعامل مع العدو ، والعامل الآخر يتعلق بارتباط ليبيا بمحيطها العربي والإفريقي والدولي مما يفرض عليها ألا تخرج عن هذا المحيط ، وعليه فإن انضمام ليبيا إلى الشراكة يتوقف على عامل حق التوفيق بين العاملين والحرص على الثوابت وواقعية التعامل .
-موقف الجماهيرية الليبية من مشروع الاتحاد المتوسطي الذي طرحته فرنسا:
إن مشروع برشلونة كإطار للشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية المطلة على المتوسط تعرض للجمود بسبب العوامل التي ذكرناها أيضاً ، ومن ثم بعد وصول الرئس الفرنسي ساركوزي للرئاسة في فرنسا قام بطرح مشروع الاتحاد المتوسطي كمتمم لمشروع برشلونة واعتبرت ليبيا أن نجاح هذا المشروع رهن باعتماد مبدأ الندية في التعامل والابتعاد عن الروح الاستعمارية في التعامل ، وقد أدلى الأخ قائد الثورة بتصريح لو كالة الجماهيرية للأنباء يوم الجمعة 14 من شهر الربيع قال فيه :
"إن فكرة تعاون حقيقي بين الدول المطلة على بحر واحد مثل البحر المتوسط على غرار مبادرة الرئيس " ساركوزي " تستحق التأييد وقد تحمست لها جداً بدوري ، إلا أن الفكرة تتعرض الآن على ما يبدو للإجهاض أو التمييع ، وقد تسير في نفس المنحنى الذي سارت فيه مسيرة برشلونة التي فشلت وماتت رغم أنها لم تدفن " ولكي تنجح هذه المبادرة ينبغي لها:
أولاً أن تؤسس على التعاون المادي والشراكة في المنافع المادية للبحر المتوسط التي هي ملك للمطلين عليه فقط لا غيرهم .
ثانياً: أن تبتعد عن حقول الألغام السياسية والثقافية والدينية .
ثالثاً: أن تتجنب طرح الخرائط الإمبريالية والقيم المبعوضة.
رابعاً : أن تقتصر على الدول الأوروبية المطلة فقط على البحر المتوسط والدول الإفريقية المطلة على البحر المتوسط لتكون حلقة وصل بين القارتين فقط.
خامساً : ألا يكرر نموذج برشلونة الميت .
سادساً : أن الثوب يجب أن يفصله الطرفان لنفسيهما .
الذي نراه الآن ونسمعه أن طرفاً واحداً يفصل الثوب وعلى الآخر أن يلبسه .
هنالك تجاهل واضح لإرادة صوت الجنوب ، وهذا ليس في مصلحة نجاح الفكرة منذ بدايتها "
 كما صرح قائد الثورة للصحافة يوم الثلاثاء الموافق 10 من شهر الصيف 2008 ، عقب الجلسة الافتتاحية للقمة التشاورية بطرابلس حول مشروع الاتحاد المتوسطي ، على أن التعاون المقبول هو التعاون بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والتعاون بين الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي .
وأكد أن المشروع المتوسطي المطروح الآن هو تكرار لـ " برشلونة " التي فشلت ولا يجب أن نكرر المشاريع الفاشلة  
ورداً على سؤال جاء فيه ( أنت دائماً تفاجئ العرب بأشياء كانت غائبة عليهم كثيراً ، فهل تعني أن مشروع الاتحاد من أجل المتوسط هو مسار برشلونة .. وهل يمكن للعرب الاستفادة منه؟ ) فقال الأخ القائد ( هو تكرار لبرشلونة وبرشلونة فشلت .. لا نريد أن نكررها مرة ثانية، نفس وضع برشلونة .. ليس هناك شيء جديد .
وأنا مازلت مصراً على أن الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي .. أهلاً وسهلاً .. والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي .. أهلاً وسهلاً ) .
وبهذا فإن مشاريع الحوار والشراكة الأوروبية المتوسطية اتسمت بمدخلات عديدة جعلت منها تتجه في مسار تحقيق المصالح الأوروبية على حساب المصالح العربية .
كما أنها تعتبر خطراً على المصالح العربية وعلى الهوية العربية وعلى النظام الإقليمي العربي إذا سارت في مسار التجزئة للأطراف الداخلة في عملية الشراكة ولم تتم عبر القنوات الطبيعية التي تمثل الأمة العربية مثل جامعة الدول العربية أو الاتحاد الإفريقي.
 
قائمة المراجع
 -1مصطفى عبد الله أبو القاسم خشيم ، الشراكة الأوروبية المتوسطية "ترتيبات ما بعد برشلونة" ، بيروت ، معهد الإنماء العربي /ط1 ، 2002م .
-2كميلة أحمد عثمان ، السياسة الخارجية الليبية تجاه الشراكة المتوسطية ما بين 1990م - 1998م ، طرابلس ، الدار الأكاديمية للطباعة والتأليف والترجمة والنشر ، 2005
 -3صحيفة الفجر الجديد، الجماهيرية الليبية، العدد ( 11982 )، السنة السادسة والثلاثون، 8 الربيع، 2008.م
 -4 صحيفة الفجر الجديد، الجماهيرية الليبية، العدد ( 12057 )، السنة السادسة والثلاثون، 11 الربيع، 2008.م
تعليقات
أضف جديد بحث
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 
تأكيد رقم الكود الأمني الرجاء إدخال الأرقام الموجود علي الصوره.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث ( 03/08/2009 )
 
< السابق   التالى >