قضايا و تحليلات
الشراكة الأورو متوسطية 2 | الشراكة الأورو متوسطية 2 |
|
|
|
والشراكة المتوسطية برنامج عمل متكامل للمنطقة المتوسطية يرتكز على خطة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري من ناحية، وعلى الجوانب السياسية والأمنية من ناحية أخرى.. والشراكة المتوسطية مفهوم أوروبي أكثر مما هو مفهوم متوسطي خالص. ونتيجة لإعادة تنميط العلاقات الاقتصادية التجارية لأوروبا مع جيرانها على ضفاف المتوسط، تنطلق الشراكة من المتطلبات السياسية والأمنية وليس من مبدأ الطبيعة المتميزة التي حاكها الجوار والتاريخ.
الاستقرار والأمن المتوسطي:
تحظى قضية الاستقرار والأمن في البحر الأبيض المتوسط باهتمام دول الاتحاد الأوربي، لاسيما أن أوروبا عانت من حربين عالميتين مدمرتين خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ويرتبط الاستقرار والأمن في حوض البحر المتوسط بالاستقرار السياسي والاقتصادي في الدول المتوسطية، وبالتالي فإن تخبط عمليات التنمية وانتشار البطالة والفقر في الدول المتوسطية، خاصة دول المغرب العربي، لا يؤدي فقط إلى بروز حالة عدم استقرار في الدول المتوسطية، ولكنه يؤدي أيضاً إلى بروز حالة عدم استقرار الأمن في حوض البحر الأبيض المتوسط، خاصة أن أوروبا تؤكد على خطورة الهجرة غير الشرعية إليها من قبل المهاجرين من الدول المتوسطية، إلى جانب قضايا أخرى، مثل: تهريب المخدرات، والإرهاب والتطرف الديني، فالقضايا الأمنية في إطار النظام العالمي الجديد وعصر العولمة أخذت بعداً جديداً، يستلزم بطبيعة الحال التنسيق والتعاون بين الدول المعنية.
الشرق أوسطية:
طالما أن عملية برشلونة تضم الدول الأوروبية من ناحية والدول المتوسطية من ناحية أخرى، فإن الدول المتوسطية ستقتصر في نهاية المطاف على الدول العربية المتوسطية و(إسرائيل)، على أساس أن تركيا ومالطا وقبرص قبلت في عضوية الاتحاد الأوروبي، وأنها تنضم إلى الاتحاد الأوروبي بعد استيفاء شروط العضوية المتعارف عليها، ومن ثم ففشل قيام مشروع الشرق أوسطية بزعامة الكيان الصهيوني دفع الاتحاد الأوروبي إلى إقامة شراكة أوروبية - متوسطية، تتمتع فيها (إسرائيل) بعضوية كاملة، ولكن ليست بالضرورة عضوية مهيمنة على غرار ما كان يوجد في إطار السوق الشرق أوسطية المقترحة.
إذاً الشراكة الأوروبية المتوسطية تحقق (لإسرائيل) أهدافها الاستراتيجية، حيث يمكنها عن طريق الشركة - لو نجحت - التغلغل في العالم العربي، وبالتالي ستصبح شريكاً لأوروبا في باقي المجالات المختلفة.
مطالب جامعة الدول العربية تجاه الشراكة:
بالرغم من أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لا تلعب نفس الدور الذي تقوم به المفوضية الأوروبية في إطار عملية برشلونة، إلا أنه يلاحظ بأن الجامعة العربية تلعب دوراً ملحوظاً في تنسيق مواقف الدول العربية ، المتوسطية تارة عن طريق عقد الاجتماعات التنسيقية التي تعقد على هامش اجتماعات مجلس الجامعة العربية ، وتارة عن طريق اتخاذ قرارات تجسد الموقف العربي تجاه عملية برشلونة.
ولجامعة الدول العربية عموماً مجموعة من المطالب تجاه الشراكة الأوروبية - المتوسطية، ويمكن تلخيص أهم المطالب في مجموعة النقاط التالية:
1ـ المطالبة بإسراع انضمام كل الدول العربية - المتوسطية إلى الشراكة الأوروبية المتوسطية، لاسيما كل من ليبيا وموريتانيا اللتين تعتبران دولاً متوسطية بحكم الجغرافيا والتاريخ. 2ـ المطالبة بمشاركة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في اجتماعات الشراكة، وذلك على غرار الدور الذي تقوم به المفوضية العامة للاتحاد الأوروبي في عملية برشلونة، فإذا كانت أوروبا تتعامل مع الشراكة في إطار تنظيمها الإقليمي والمتمثل في الاتحاد الأوروبي، فلماذا لا يسمح للعرب بالقيام بدور مماثل يظهر تلاحمهم الإقليمي؟.
3ـ المطالبة بمشاركة عربية كاملة في الشراكة الأوروبية - المتوسطية حيث أن ذلك يدعم العلاقات العربية الأوروبية من ناحية، ويبدد المخاوف العربية المتعلقة بسياسة التجزئة التي تعكسها عملية برشلونة من ناحية أخرى، فاستبعاد معظم الدول العربية من الشراكة الأوروبية - المتوسطية يزيد من وطأة حالة التجزئة التي يعيشها النظام الإقليمي العربي، لاسيما أن أوروبا دخلت إلى عملية برشلونة كجماعة موحدة، وبالتالي فلماذا لا يفعل العرب الشيء نفسه؟.
4ـ مطالبة الجانب الأوروبي بمراعاة المصالح في إطار عملية برشلونة ، حيث أن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال احترام وجهة النظر العربية تجاه القضايا والمبادئ التي أكد عليها إعلان برشلونة لعام 1995م ، وبالتالي فإن مراعاة واحترام الجانب الأوروبي للمصالح العربية سيعزز بدون شك العلاقات العربية الأوروبية .
موقف الجماهيرية الليبية من موضوع الشراكة الأوروبية المتوسطية :-
لقد عارضت الجماهيرية الليبية مسألة الشراكة من حيث الشكل والموضوع بناءاً على الاعتبارات التالية :
1-إن تعامل أوروبا مع الشراكة في إطار الاتحاد وعدم وجود إطار موحد يجمع الدول المتوسطية، أدى في واقع الأمر إلى بروز شراكة غير متوازنة أو متكافئة تمسك فيها أوروبا بزمام الأمور، الأمر الذي يعني أن الشراكة تحقق المصالح الأوروبية أكثر من تحقيقها المصالح المتوسطية بشكل عام، والمصالح العربية بشكل خاص.
2 - إن الشراكة - المتوسطية تعتبر محاولة استعمارية أوروبية جديدة الهدف منها بسط النفوذ والسيطرة على حوض البحر المتوسط بشكل خاص، وعلى العرب وإفريقيا بشكل عام، وبالتالي فإن ليبيا ترفض الشراكة بصيغتها الحالية، فالشراكة البناءة بالنسبة إلى ليبيا، هي تلك الشراكة التي تقوم على أساس قاري قي صورة " فضاءات كبرى " حيث تشمل في عضويتها الدول العربية والإفريقية معاً.
3- إن محاولة وسعى أوروبا إلى غرس إسرائيل في العالم العربي عن طريق الشراكة الأوروبية - المتوسطية سوف لن يكلل بالنجاح طالما أن (إسرائيل) مازالت تحتل الأراضي العربية وتشرد وتقتل الفلسطينيين.
فالهدف الأوروبي من الشراكة بعد فشل مشروع الشرق أوسطية يتمثل في دفع الدول العربية إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني، والتعامل معه كشريك، بالرغم من عدوانيته وعنصريته ولا يمكن التعامل معه.
4 - إن هدف الاتحاد الأوروبي من الشراكة يتجسد في فرض قيمه وأيديولوجيته على العالم العربي ، حيث إن إعلان برشلونة يجسد المقولات الليبرالية والرأسمالية والتعددية والفردية ، ولكن ما يصلح في الغرب لا يصلح بالضرورة على الشرق ، وبالتالي فإن الشراكة لا تلائم الدول العربية، التي لها تراثها وقيمها النابعة من الإسلام والعروبة .
5 - إن التعاون المتوسطي يجب أن يتم في إطار حوض البحر المتوسط، خاصة في إطار (5+5) أو (6 +6) فليبيا تؤيد التعاون المتوسطي المحدود ، الذي يشمل دولاً متوسطية معينة على أساس الندية وعلاقات حسن الجوار ، أما فيما يتعلق بالشراكة ، فأنها يجب أن تتم على أساس قاري " فضاءات " كما تفعل أوربا مع آسيا في إطار الشراكة الأوروبية الآسيوية.
6- معارضة الدول العربية المتوسطية لتأسيس أوروبا لقوات تدخل سريعة هدفها المحافظة على الأمن والاستقرار الأوربيين ، أو التدخل في أية أزمة تؤثر على مصالح أوروبا، مثل التدخل لحماية منابع النفط أو التدخل بقصد حماية الرعاية الأوروبية في الخارج .
فالدول العربية تعارض تأسيس قوات تدخل سريع من قبل الدول العربية، لأنها ستكون موجهة في المقام الأول ضد العالم العربي على وجه العموم ،والشمال الإفريقي على وجه الخصوص، لا سيما أن لأوروبا مصالح ملحوظة في المنطقة.
7- إن الدول الأوروبية تستخدم فكرة التعددية العرقية والثقافية كوسيلة ضغط تحت شعار حماية حقوق الأقليات ومنع انتهاك حقوق الإنسان.
وتكمن خطورة الدعوة إلى التعددية والعرقية الثقافية إلى إمكانية تحريض البربر في المغرب العربي، والأقباط في مصر، والشيعة أو الدروز في سوريا ولبنان من قبل قوة معادية للأمة العربية، وبالتالي فإن الدول العربية المتوسطية ترفض بشدة فكرة التعددية العرقية والثقافية، على اعتبار أن عاملي التاريخ والمصلحة المشتركة يدفعان الشعب العربي إلى التلاحم والوحدة وليس إلى مزيد من الفرقة.
إن ليبيا ترى أن عملية الشراكة الأوروبية لمتوسطية يحكمها عاملان، العامل الأول يتعلق بمدى ما تمثله السياسة الخارجية الليبية من اعتبارات أيديولوجية تتسم بالرفض للاستسلام والتعامل مع العدو، والعامل الآخر يتعلق بارتباط ليبيا بمحيطها العربي والإفريقي والدولي مما يفرض عليها أن لا تخرج عن هذا المحيط، وعليه فإن انضمام ليبيا إلى الشراكة يتوقف على عامل حق التوفيق بين العاملين، الحرص على الثوابت وواقعية التعامل.
موقف الجماهيرية الليبية من مشروع الاتحاد المتوسطي الذي طرحته فرنسا:
إن جمود مشروع برشلونة كإطار للشراكة بين الاتحاد الأوربي والدول العربية المطلة على المتوسط تعرض للجمود بسبب العوامل التي ذكرناها أيضاً، ومن ثم بعد وصول الرئيس الفرنسي ساركوزي للرئاسة في فرنسا قام بطرح مشروع الاتحاد المتوسطي كمتمم لمشروع برشلونة، اعتبرت ليبيا أن نجاح هذا المشروع رهن باعتماد مبدأ الندية في التعامل والابتعاد عن الروح الاستعمارية في التعامل، وقد أدلى الأخ قائد الثورة بتصريح لوكالة الجماهيرية للأنباء يوم الجمعة 14 من شهر الربيع قال فيه:
"إن فكرة تعاون حقيقي بين الدول المطلة على بحر واحد مثل البحر المتوسط على غرار مبادرة الرئيس" ساركوزي" تستحق التأييد وقد تحمست لها جداً بدوري، إلا أن الفكرة تتعرض الآن على ما يبدو للإجهاض أو التمييع، وقد تسير في نفس المنحنى الذي سارت فيه مسيرة برشلونة التي فشلت وماتت رغم أنها لم تدفن ". ولكي تنجح هذه المبادرة ينبغي لها:
أولاً : أن تؤسس على التعاون المادي والشراكة في المنافع المادية للبحر المتوسط التي هي ملك للمطلين عليه فقط لا غيرهم.
ثانياً: أن تبتعد عن حقول الألغام السياسية والثقافية والدينية.
ثالثاً: أن تتجنب طرح الخرائط الإمبريالية والقيم المبغوضة ،.
رابعاً: أن تقتصر على الدول الأوروبية المطلة فقط على البحر المتوسط والدول الإفريقية المطلة على البحر المتوسط لتكون حلقة وصل بين القارتين فقط.
خامساً : أن لا يتكرر نموذج برشلونة الميت.
سادساً: أن الثوب يجب أن يفصله الطرفان لنفسيهما.
الذي نراه الآن ونسمعه أن طرفاً واحداً يفصل الثوب وعلى الآخر أن يلبسه.
هناك تجاهل واضح لإرادة صوت الجنوب، وهذا ليس في مصلحة نجاح الفكرة منذ بدايتها"
كما صرح قائد الثورة للصحافة يوم الثلاثاء الموافق 10 من شهر الصيف 2008م، عقب الجلسة الافتتاحية للقمة التشاورية بطرابلس حول مشروع الاتحاد المتوسطي، على أن التعاون المقبول هو التعاون بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والتعاون بين الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي.
وأكد أن المشروع المتوسطي المطروح الآن هو تكرار لـ"برشلونة " التي فشلت، ولا يجب أن نكرر المشاريع الفاشلة.
ورداً على سؤال جاء فيه ( أنت دائماً تفاجئ العرب بأشياء كانت غائبة عليهم كثيراً، فهل تعني أن مشروع الاتحاد من أجل المتوسط هو مسار برشلونة..وهل يمكن للعرب الاستفادة منه؟) فقال الأخ القائد (هو تكرار لبرشلونة وبرشلونة فشلت .. لا نريد أن نكررها مرة ثانية، نفس وضع برشلونة .. ليس هناك شيء جديد.
وأنا مازلت مصراً على أن الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ... أهلاً وسهلاً ... والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ... أهلاً وسهلاً).
وبهذا فإن مشاريع الحوار والشراكة الأوروبية المتوسطية اتسمت بمداخلات عديدة جعلت منها تتجه في مسار تحقيق المصالح الأوربية على حساب المصالح العربية.
كما أنها تعتبر خطراً على المصالح العربية وعلى الهوية العربية وعلى النظام الإقليمي العربي إذا سارت في مسار التجزئة للأطراف الداخلة في عملية الشراكة ولم تتم عبر القنوات الطبيعية التي تمثل الأمة العربية مثل جامعة الدول العربية أو الاتحاد الإفريقي.
قائمة المراجع
-2كميلة أحمد عثمان ، السياسة الخارجية الليبية تجاه الشراكة المتوسطية ما بين 1990م - 1998م ، طرابلس ، الدار الأكاديمية للطباعة والتأليف والترجمة والنشر ، 2005
-3صحيفة الفجر الجديد، الجماهيرية الليبية، العدد ( 11982 )، السنة السادسة والثلاثون، 8 الربيع، 2008.م
-4صحيفة الفجر الجديد، الجماهيرية الليبية، العدد ( 12057 )، السنة السادسة والثلاثون، 11 الربيع، 2008.م
|
|
| آخر تحديث ( 03/08/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|