قضايا و تحليلات
الشراكة الأورو متوسطية | الشراكة الأورو متوسطية |
|
|
|
" الشراكة الأورو متوسطية و هوية
النظام الإقليمي العربي"
يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة باتجاه عام نحو التكتل الاقتصادي وظهور تجمعات اقتصادية إقليمية دولية لها أهمية أكبر وأكثر حجماً، وأصبح الصراع والتنافس على الأسواق السمة الباردة لهذا الاتجاه، ومن أهم هذه التكتلات الاقتصادية السوق الأوروبية الموحدة، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1992 مسيحي ، وتعد واحدة من عمليات التغير الكبرى التي تحصل الآن في النظام الاقتصادي العالمي. وتمثل بداية التبلور لقطب جديد يحمل إرهاصات نظام لامناص من أن يحدث تغيراً جوهرياً على خريطة المنظومة الرأسمالية بشكل عام وعلى مسار النظام الإقليمي العربي بشكل خاص.
والشراكة المتوسطية برنامج عمل متكامل للمنطقة المتوسطية يرتكز على خطة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري من ناحية، وعلى الجوانب السياسية والأمنية من ناحية أخرى.. والشراكة المتوسطية مفهوم أوروبي أكثر مما هو مفهوم متوسطي خالص. ونتيجة لإعادة تنميط العلاقات الاقتصادية التجارية لأوروبا مع جيرانها على ضفاف المتوسط، تنطلق الشراكة من المتطلبات السياسية والأمنية وليس من مبدأ الطبيعة المتميزة التي حاكها الجوار والتاريخ.
ماذا يريد العرب من الشراكة المتوسطية ؟
وعلى الرغم من أن العرب والأوروبيين يرددون الخطاب السياسي الواحد وهو إن تحقيق الشراكة يجعل ضفتي البحر المتوسط أكثر ازدهاراً وأمناً واستقراراً، ولكن الحقيقة أن لكل طرف من طرفي الشراكة أهدافه التي يسعى إلى تحقيقها من خلال هذه الشراكة.
فالأوروبيون يريدونها أمنية بالدرجة الأولى لمنع التطرف والهجرة وما يسمونه الإرهاب؟! ثم يأتي بعد ذلك الاقتصاد وفي النهاية السياسة الأمر الذي يُبعد الشراكة عن الحقيقة بمعنى التعاون ويجعلها اقرب إلى التبعية.
أما العرب فهم غير متفقين في آمالهم ومتفاوتون في أهدافهم وما يجنونه من الشراكة، في حين نجد دولاً عربية تريدها اقتصادية واجتماعية.
هنالك دول أخرى تريدها أمنية اجتماعية بمعنى مقاومة التطرف والأصولية والهجرة، ولكن في النهاية فإن الطرفين يتفقان حول: " الشراكة هي مناسبة طال انتظارها لتغيير موازين القوى في المنطقة عبر دور أكبر لأوروبا في عملية التسوية بين العرب والصهاينة أولاً ثم المساهمة في تنمية المنطقة ثانياً للحد من الانفراد الأمريكي بها".
- بيئة ومدخلات الشراكة الأوروبية المتوسطية :
للشراكة الأوروبية المتوسطية مثلها في ذلك مثل أي عملية أخرى لها مدخلات تعكس الظروف المحيطة على المستويين الداخلي والخارجي، والأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- الظروف المحيطة بعملية الشراكة الأوروبية المتوسطية:
المقصود بالظروف المحيطة بعملية برشلونة، هي العوامل والمتغيرات الدولية والإقليمية، التي تتفاعل وتؤثر سلباً أو إيجاباً على مسار عملية الشراكة ونلخصها في الآتي:
1 صراع الشمال والجنوب.
2 النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
3 أزمة وحرب الخليج الثانية.
4 النظام العالمي الجديد.
5 العولمة.
أولاً:صراع الشمال والجنوب
لقد حل صراع الشمال و الجنوب محل صراع الشرق والغرب، حينما خفت حدة الصراع (الايدويولوجي) نتيجة لبروز ما يعرف بعصر الوفاق الدولي منذ منتصف عقد السبعينيات عموماً والثمانينيات على الخصوص، فالتأثير السياسي للدول النامية تزايد نتيجة لحصول معظم شعوب هذه الدول على استقلالها السياسي في عقدي الخمسينيات والستينيات، ومطالبتها بتضييق هوة التخلف بين الجنوب والشمال عن طريق تغيير النظام الدولي الحالي في المجالين الاقتصادي والسياسي إلى نظام دولي جديد، يأخذ في الحسبان حقوق الشعوب النامية في المساواة وتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية ، سيما وأن الشعوب النامية قد تعرضت لأبشع أنواع الاستغلال والاضطهاد من قبل دول الشمال خلال ما يعرف بحقبة الاستعمار، لكن دول الشمال تحاول من طرفها أن تبقي الأوضاع القائمة على ما هي عليه، نظراً لأن مصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية تتحقق في إطار النظام الدولي القائم، ولكي تواجه دول الجنوب نفوذ واستغلال دول الشمال وشركاته المتعددة الجنسيات قامت بحملات مختلفة الهدف منها المطالبة بتصميم وتنفيذ برامج تلبي حاجاتها الاقتصادية.
وتعتبر الدول العربية من ضمن دول الجنوب التي تطالب بتضييق هوة التخلف عن طريق تقديم دول الشمال للمساعدات الاقتصادية والتقنية اللازمة.
وبالرغم من أن عملية برشلونة تقوم على أساس مبدأ الندية في المعاملة، إلا أن الدول العربية - المتوسطية أو غيرها من الدول المتوسطية الأخرى، تطالب بمنحها مزايا تفضيلية ومساعدات مالية وتقنية، حتى تتمكن من تضييق هوة التخلف إلى أبعد حد ممكن.
إذاً فصراع الجنوب والشمال يوجد أيضاً في إطار عملية (برشلونة) التي يمكن اعتبارها صورة مصغرة لما يدور على المستوى الدولي، حيث إن الشراكة الأوروبية - المتوسطية تتكون من دول شمال متقدمة، ودول جنوب نامية لها مطالب اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية.
ثانيا: النظام الاقتصادي الجديد:
إن مطالب الدول النامية بنظام اقتصادي عالمي جديد تساهم في وضع أسسه الجديدة بما يتماشى ومتطلبات النظام الدولي المعاصر، نابع في الأساس من قناعة الدول النامية بوجود هيمنة غربية على النظام الاقتصادي العالمي الحالي وبالتالي فإن الدول النامية ترى أن تركز الثروات العالية في دول الشمال المتقدم، بالرغم من أن دول الجنوب تشكل ثقلاً سكنياً في العالم وبالتالي فإن الدول النامية تطالب الدول المتقدمة بتحقيق بعض التوازن لتصحيح الخلل القائم في النظام الاقتصادي العالمي، عن طريق زيادة حجم مساعداتها حيث تصل إلى معدل 70% من الدخل القومي لكل دولة من دول الشمال، وحيث إن إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد يهدف إلي تصحيح مجموعة من الاختلالات والانحرافات التي يتسم بها النظام الاقتصادي الحالي، لاسيما ما يتعلق بوجود عدم المساواة وعدم العدالة في توزيع الموارد على أساس أن تضييق هوة التخلف لا يمكن أن يتم في إطار نظام اقتصادي ظالم، ويؤكد الإعلان على أن النظام الاقتصادي العالمي الجديد يجب أن يقوم على مبادئ مثل : المساواة في السيادة، علاقات الاعتماد المتبادل، تحقيق المصلحة المشتركة لتلك الدول بغض النظر عن النظم الاقتصادية والسياسية التي تتبناها، وبالتالي فإن تحقيق هدف الإعلان الأممي سيتحقق من خلال:
- 1 القضاء على الاستعمار بكافة أشكاله حيث إن الاستعمار الاستيطاني والتقليدي، والتفرقة العنصرية، والامبريالية تعيق الدول والشعوب النامية في تحقيق عملية التنمية الشاملة.
- 2 يتعارض النظام الاقتصادي العالمي والواقع الدولي المعاصر، الذي يجب أن يعكس مصلحة الجماعة الدولية ككل وليس مصالح الدول المتقدمة فقط.
- 3 طالما أن عصرنا الحالي هو تجسيد لمبادئ الاعتماد المتبادل، فإن الدول المتقدمة لا يمكنها الاستمرار في تجاهلها لمصالح الدول النامية، وبالتالي فإن التنافس يجب أن يستبدل بعصر التعاون بين الدول جميعاً حتى يتم تحقيق المساواة والعدالة في إطار العلاقات الدولية المعاصرة.
4 - تبني إستراتيجية دولية للتنمية خلال عقد الأمم المتحدة الثاني للتنمية وذلك باعتباره خطوة مهمة في طريق دعم وتنمية التعاون الاقتصادي الدولي على أساس مبدأ العدالة.
5- تمكين الأمم المتحدة من التعاون مع المشاكل الناتجة عن التعاون الاقتصادي الدولي بشكل شامل في إطار التأكيد على المساواة بين مصالح كل الدول.
6 - إن الإعلان عن تأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد يجب أن يعكس الأسس المهمة التي تقوم عليها العلاقات الاقتصادية بين الشعوب والدول.
وبالرغم من أن الدول العربية تعتبر من ضمن الدول النامية المطالبة بتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، إلا أنها وجدت نفسها مضطرة للتكيف مع الظروف البيئية لعالم نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين.. وحيث إن انضمام بعضها إلى عضوية منظمة التجارة العالمية، والشراكة الأوروبية - المتوسطية، يؤكد على أن المطالبة بتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد كان مازال لم يتجاوز بعد مرحلة الشعارات، وأن الواقع المعاش قد أرغمها على التكيف مع معطيات العولمة.
3 - أزمة وحرب الخليج الثانية واجتياح العراق:
إن مشاركة معظم دول الاتحاد الأوروبي في الحملة العسكرية لقوات التحالف على العراق يخفي في طياته اعتبارات إستراتيجية وأمنية واقتصادية وسياسية، فللدول الأوروبية إستراتيجية في منطقة الخليج تتمثل في تأمين امدادات النفط، حيث إن أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية كانتا تخشيان من سيطرة عراقية على أكبر رصيد عالمي للنفط..كما أن سيطرة العراق على منطقة الخليج لن تهدد فقط المصالح النفطية للغرب، ولكنها ستجعل من العراق قوة إقليمية تهدد الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما وأن الولايات المتحدة الأمريكية ترتبط بعلاقات إستراتيجية مع (إسرائيل) حيث أوضحت حرب الخليج الثانية مثلها في ذلك مثل الحروب العربية - (الإسرائيلية) خاصة حرب أكتوبر 1973 أن أمن واستقرار أوروبا يعتبران إلى حد كبير مرهونين بالاستقرار والأمن ليس فقط في حوض البحر المتوسط، ولكن في منطقة الشرق الأوسط ككل، وعليه فقد جاءت المبادرة الأوروبية بإقامة شراكة أوروبية متوسطية، لتحقيق الاستقرار والأمن في حوض البحر المتوسط أولاً، ومنطقة الشرق الأوسط ثانياً.
4 - النظام العالمي الجديد:
لقد برز النظام العالمي الجديد مع بداية أزمة الخليج الثانية، إذ تزعمت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضد العراق الذي كان يراهن على تأييد أو حماية سوفياتية!، ويؤكد بعض الباحثين على أن الولايات المتحدة تمكنت في إطار هذا النظام الدولي وهيئة الأمم المتحدة بشكل لفت انتباه واهتمام الباحثين والسياسيين على حد سواء، وكما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض سيطرتها على دول العالم الثالث عن طريق نشر القيم الأيديولوجية التي تعتنقها مثل الرأسمالية، الليبرالية، التعددية، فإنها تعمل في نفس الوقت على إضعاف القوى الفاعلة الأخرى في النظام العالمي الجديد، وذلك عن طريق ربطها بتحالفات إستراتيجية مثل (الناتو) في أوروبا والإبقاء على قواعد وتواجد عسكري في اليابان وكوريا والبحر المتوسط والمحيط الهادي، لكن وحدة أوروبا وبروز إدارة سياسية لدى اليابان والصين وروسيا كفيل بإضعاف الهيمنة الأمريكية من ناحية..كما كان كفيلاً ببروز نظام متعدد الأقطاب من ناحية أخرى.
إن تفكيك الاتحاد السوفياتي (سابقاً) أنهى حقبة العداوة بين الشرق والغرب، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تبحث عن أعداء جدد لها، إما على مستوى ما أطلق عليه عالم السياسة الأمريكي المعروف " صموئيل هنتغتون" الصراع والصدام بين الحضارات أي بين المسيحية والإسلام، أو على مستوى ما أسمته الإدارة الأمريكية "بالدول المارقة " التي ترفض الهيمنة الأمريكية مثل إيران، والعراق، وليبيا، والسودان، وأفغانستان، وكوبا.
وإذا كانت المصلحة المشتركة المتبادلة بين الدول الكبرى هي التي تجعلها تتجنب الدخول في صراع عنيف ومباشر مع الولايات المتحدة، أو تقبل ولو مؤقتاً فكرة القطب الواحد المهيمن، فإن بعض الدول النامية قد ترفض وتتحدى بشكل مباشر الهيمنة الأمريكية في إطار النظام العالمي الجديد، ومن أمثلة ذلك ما يعرف بالدول " المتحدية " أو المارقة.
إن النظام العالمي الجديد يعتبر من ضمن أبرز العوامل الخارجية التي أثرت على مسار عملية " برشلونة " نظراً لأن الشراكة الأوروبية المتوسطية لا تؤدي فقط إلي تعزيز الاستقرار والأمن في حوض البحر المتوسط، ولكنها تعزز أيضاً من مكانة أوروبا العالمية، حيث تجعلها من ضمن أبرز أطراف النظامالعالمي الجديد.
5 - العولمة :
لاشك أن الثورات التقنية المتتالية التي يشهدها عالمنا المعاصر في مجالات المواصلات والمعلومات قد قربت وطوت المسافات بشكل لم تعرفه البشرية من قبل، فعالمنا المعاصر يشبه اليوم القرية الصغيرة، وتسعى الدول في إطار ما يعرف بالجماعة الدولية أو العالمية إلى نشر وتطبيق القيم (الأيديولوجية) التي تدين بها وعليه يلاحظ أن الأيديولوجيات التي تدين بها الدول الأقوى والأكثر تأثيراً في النظام الدولي لديها فرص في أن تسود أكثر من غيرها، ومن أمثلة الأيديولوجيات الأكثر فرصاً في الانتشار ما يعرف بالإيديولوجيات الغربية مثل: الرأسمالية، والليبرالية، والتعددية.
فالعولمة هي إذاً محاولة الدول الغربية تعميم ونشر القيم (الأيديولوجية) التي تدين بها في العالم ككل، بهدف دمج و توحيد العالم اقتصاديا وسياسياً وإدارياً، وثقافياً، أو هي حقبة التحول الرأسمالي للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ.
فالعولمة ما هي إلا صيغة جديدة للامبريالية، تعمل في إطارها الدول الرأسمالية على استغلال الشعوب النامية باسم شعارات جذابة، ولكنها خادعة، وإذا كانت الامبريالية أعلى مراحل الاحتكار بالنسبة للرأسمالية، فإن العولمة تعتبر بدورها مرحلة ما بعد الإمبريالية، غير أن الموقف تجاه العولمة يتسم إلي حد ما، بالمرونة مقارنة بالموقف الأمريكي ، الذي يؤكد على سمو النمط الأمريكي للثقافة الغربية.
وتؤيد الدول الأوروبية الحوار باعتباره وسيلة للتفاهم والتعايش بين الحضارات والثقافات بين شعوب ودول حوض البحر المتوسط، وعليه يلاحظ أن الحوار في الشراكة الأوروبية - المتوسطية يغطي المجالات المختلفة لعملية برشلونة، غير أن اختلاف مفهوم العولمة بين الدول الغربية، لا يعني أن دول الاتحاد الأوروبي لا تعمل على نشر القيم الإيديولوجية التي تدين بها، حيث إن المتمعن في إعلان برشلونة يلاحظ بجلاء طغيان المبادئ والأسس التي تنادي بها الرأسمالية والليبرالية والتعددية.
فإعلان برشلونة يؤكد على ضرورة تبني الدول المتوسطية للتعددية والديمقراطية النيابية، ونظام السوق، وتحرير التجارة الخارجية، وتشجيع الاستثمار الغربي، والتنمية المتوازنة، والتعددية اللغوية، والمجتمع المدني، وبالتالي فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان تتبنى سياسة الترغيب والتهديد في علاقاتها مع الدول النامية، فالمساعدات المالية والتقنية الغربية تتدفق على الدول النامية التي تتبنى نظام السوق والتعددية، وتحجب على الدول الأخرى التي تقاوم تيار العولمة، وتمثل الشراكة الأوربية
المتوسطية هي الآلية التي يمكن من خلالها تطبيق الأيديولوجيات الغربية، وبالتالي تعتبر العولمة من أبرز المؤثرات البيئية المحيطة بعملية برشلونة.
أ . علاء الدين بن دردف
|
|
| آخر تحديث ( 03/08/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|