قضايا و تحليلات
الإعلام المسؤول والقول المعقول | الإعلام المسؤول والقول المعقول |
|
|
|
الفرق بين الخطاب الإعلامي المسؤول والخطاب الكاذب
حين قطعت الفضائيات برامجها المعتادة لتذيع خبراً ( معالجاً ) للحظة اعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ، لم يتوقع أحد أن السيناريو المعروض للحظة اعتقال الرئيس كان سيناريو تلموديا تم اعداده بدقة متناهية ويحمل خطابا دينيا يخص اليهود ليؤكد إحدى نبوءاتهم المزعومة ، فأسد بابل كما تقول النبوءة التلمودية سيعاقب على سبي اليهود إلى بابل بأن يلقى القبض عليه في جحر تحت حجره ويوضع اللجام ( الشكيمة ) في فمه ، رغم أن الرئيس الراحل لم يقبض عليه بالطريقة( السينمائية) التي قدمت للمشاهدين ، لكننا شاهدنا وشاهد الملايين كيف قام الجندي ذو اليد اليسرى القصيرة بوضع الحديد الشبيه باللجام فى فم صدام حسين ، وتساءل البعض عن ذلك ، وقيل إنه كشف طبى ، وقال بعضهم ياللغرب المتحضر !! ويا للإنسانية ! .. إنهم يعالجون أسير حرب بشكل متحضر ، ولم يسأل أحد لماذا يعرضون هذا المشهد المفبرك ؟ ولماذا لم يكن العلاج الكشف عن القلب ومنطقة الصدر بالسماعة الطبية كالمعتاد ، فالأسير أول مايصاب فيه هو القلب هلعا وليس الأسنان ، والمريض يكشف عن نبضات قلبه وضغطه أولا وليس أسنانه !! .
وهكذا مرر التلموديون نبوءاتهم المزيفة والمصنوعة للعالم لكي يقولوا لأتباعهم وللسذج كم نحن على صواب ، فحتى النبوءات تؤكد مانقوم به فيهلل المغيبون : يالهذه الحقيقة ، ويالهذه النبوءات الصادقة ويالزيف ماعداها ، وهى طريقة لإثبات صحة المنطلق كي يتم بعدها إثبات صحة الرؤية السياسية لوضع العالم وتكذيب الآخرين ، وهكذا شاهدنا أسلوباً غريباً في التعامل مع العرب والعالم الثالث ومشاكله بطريقة سلفية متحضرة عصية على الفهم ، طريقة تنبش التاريخ وتقوم بتصفية الحسابات مع الأجيال والشعوب التي لا ولن تدرك الحقائق لأنها مخبأة في إسرائيليات الماضي، تلك الإسرائيليات التي تستهدف تصفية وجود أمة بحالها وليس استهداف فلسطين فقط ، فقطار الموت الممون المسلح غربيا يزحف بلاتوقف من وفلسطين إلى لبنان إلى بغداد ولايعلم إلا اللّه ماهي محطته القادمة، والغريب أن خطاب هذا القطار وعباراته تمتلئ إنسانيات ، فهو محشو ببضائع مغلفة بحقوق الإنسان والديمقراطية والانتخابات الحرة والسوق الحرة الخ ، ولم يستغن المخططون لسير القطار والمنفذون لسيناريوهات الأحداث الدامية عن استخدام كل ماهو متاح من وسائل الإعلام المقروء والمرئي فكاميرات المرئية والبث الفوري وصعق المشاهد بالمباشر والخبر العاجل والفوري .. وعلى الهواء المباشر لتشتيت ذهنية الناس وجعلهم أسرى حرب المعلومات والسبق الإعلامي وجعل مصير العالم محشورا في ماتبثه القنوات حتى بدت حياة الناس كأنها مشهد من مرئية الحقيقة الذي يضع كاميرات على كل مايفعله الإنسان وصار الإنسان معتقلاً بإرادته وبدونها يخضع لقوانين الإعلام الجديدة ، ومادامت الشعوب هى مجاميع الإنسان فيجب اعتقال الشعوب اعلاميا وحشرها في شاشة فضية تتغذى على مادة ممنهجة يتم طبخها بدقة وتتلقفها العقول الجائعة كحقائق وتحولها إلى مادة لحياتها اليومية وتستسلم لها ، خصوصا وان تلك المادة اليومية صنعت ببلاغة دقيقة قادرة على تغيير الألوان قبل الأخبار، تقول الروايات التوارتيه في سفر النبي أشعيا (( ولما حاصر قائد عسكر الأشوريين أورشليم ( المقصود القدس ) ، بعث إليه الملك ( حزقيا) خدامه فخاطبهم القائد الأشوري باللغة اليهودية ، ثم أجابوه :« خاطب عبيدك بالآرامية لأننا نفهمها ولا تخاطبنا باليهودية في مسامع الشعب الذين على السور)) وكان عدد من الناس قد تحولقوا لمشاهدة الحدث ، والمعنى هو أنهم طلبوا من القائد الأشوري أن يحدثهم بلغة غير التي يفهمها الناس حتى لاتعرف الناس الحقيقة ، وفي الحرب الأمريكية على العراق لاحظنا المساحة الكبيرة التي أخذتها البلاغة والخطاب التحريضي المدعوم بمفردات مصنعة خصيصا للحدث، فنحن نعرف أن البلاغة مهمتها تجاوز المجاز في الوصف وتضخيم المعنى في القول وإعطاء دعم لفظي للخطاب لإيصال الفكرة ، لكن البلاغة الأمريكية في الحرب كانت تتجه لإحداث ثقب في عقلية العالم ليؤمن بماتريده البلاغة وماتقوله آلة الحرب ، ورغم الارتباك المستتر في الخطاب خلف يافطة أسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان بمايعطيه من بلاغة الأنسنة والتعاطف المطلوب ، إلا أن الهدف الحقيقي كان سياسياً واقتصادياً ولاعلاقة له بالإنسانية أبداً ، وأثبت ذلك مسألة في غاية الأهمية ، وهى أن القوى الكبرى باتت تعتمد خطابا إعلاميا مزيفا تماما وتغلفه بالحقائق ، فخطابها الإعلامي يقول إن الهجوم على غزة مثلا هو لتدمير البنية التحتية للإرهاب كما يقول الخطاب (الإسرائيلي) ، وحصار غزة هو لقتل الإرهابيين ، بينما في الحقيقة الضحايا جميعهم من الأطفال والمدنيين العزل ، وحتى أولئك المقاتلين الذين يستشهدون في غزة فهم يدافعون عن حقوقهم المشروعة في نيل الحرية من الغاصب المحتل ، وهو ماينفي عنهم صفة الإرهاب ، ومتى كانت مقاومة المحتل إرهاباً ؟ إلا في خطاب الإعلام المعادي للإنسانية فإنه يغذي الخيال الجماهيري لديه بالمثل والقيم المزيفة وهو مستعد دائماً للوقوف والتشفي في أعداء الحرية والإنسانية المزعومين .
وهو الخيال المدرب والمرتبط شرطيا برغبة متأججة في خوض الصراعات والمحصن ضد تأنيب الضمير واستفاقته ، ينبغي في نظر الساسة استخدامه يإستمرار لتأجيج الفعل واعطائه زخما ليبدو عملا مبررا ، لقد اختصر الخطاب الإعلامي الغربي كل مشاكل العالم التي تستعر وتشتعل في مسألتين هما الإرهاب والطاقة ، متناسيا مشاكل الفقر والجوع والمرض والتخلف والتعليم والصحة والفجوة الحضارية واستغلال ثروات الشعوب والاستعمار والهيمنة ، فما الذي ننتظره من عالم أحادي الفكر والخطاب عالم يرى أن أهم الأولويات هي منع المقموع من التحرر ، ومنع الضحية من الصراخ ، ولأن القوى المسيطرة تتوجس خيفة من ضحاياها فقررت إغراقهم في خطابها وخططها تحسبا لأي حراك تحرري حقيقي ، وأنتجت لذلك الرطانة البلاغية التي تؤدي إلى معنى كأن تقترح معالجة مشكلة الهجرة نحو الشمال بتعزيز خفر السواحل ومنع الناس من اللحاق بقدرهم التاريخي أو كأن تقترح أن يتحول الجميع إلى حراس لحدود الجنة الغربية ، وهي في ذلك تمارس رطانة غامضة مشحونة بحقد مكروه ، وللأسف الشديد فإن المظلومين لايملكون القوة الكافية لنيل حقوقهم فلجأوا إلى نفس السلاح وهو الخطاب الإعلامي لاعتقادهم بأن المعارك كلها في أساسها كلمات بلاغية فأنتج بالمقابل رطانة المقاومة الممتزجة بكلمات كبيرة وبلاغة ذات حدين فهي تعبوية في مواجهة آلة الدمار المتوحشة لكنها لاتقود إلى نتيجة في التحليل النهائي، فظهرت أم المعارك وومعركة الشرف ، وهبة الرجل الواحد ، ونهاية الغزاة ، وعلي وعلى أعدائي ، كأننا على مسرح يموج بشخوصه ولسنا أمام عملية قتل وقطار مجنون يدهس كل شئ ونار تأكل الأخضر واليابس ، فأخذت البلاغة الإعلامية الإنشائية حيزا مهماً من الاهتمام مماأسهم في تقديم خطاب مشوه ومغيب للحقيقة وللمقاومة . وأعطى انطباعاً على قدرة المقهورين على انتزاع حقوقهم من خلال توعدهم الدائم بموت العدو وأنهم قادرون على تحقيق النصر المؤزر ، وهو مايتطلبه المشهد الميداني كي تأخذه آلة الحرب ستارا لممارسة حقها الكاذب في الدفاع عن نفسها مثلما تقول إسرائيل الآن إنها تمارس حقها في الدفاع المشروع عن النفس أمام الغزوة الغزاوية القاتلة لسكان الكيان الصهيوني الآمنين !! وكما تروج وسائل الإعلام المتعاطفة مع هذا الكيان ، وهذا لايقود إلى تشويش لذهنية المتلقي الغربي فقط بل ويغير موازين التعاطف والرفض ، وفي المقابل فإن طبيعة المقهورين تنتشى طربا وتترنم سعادة للبلاغة المتحمسة المستندة على إرث حضاري قام على البلاغة يؤازره خيال خصب ممتليء بقصص البطولات الفردية وتراث نائم على وسادة من التطير والتواكل ، والصبر بلاحراك ، ومازلت : أذكر كلمات الرئيس الراحل ياسر عرفات وهو يشير بأصبعيه الكريمين بإشارة النصر عقب كل خطاب فيما كانت الدبابات الصهيونية تقصف مقر إقامته بالمتر كل ساعة ، وليس بعيد عنا مادشنه الرئيس صدام حسين في أولى خطبه له إبان الحرب العراقية الملعونة حين ردد بيتا من اشعار الشاعر الأردنى حيدر محمود :( أطلق لها السيف قد جاش العدو لها أطلق لها السيف لاخوف ولاوجل ) .
إن الخطاب الإعلامي المسؤول أصبح ضرورة ملحة لكسب المعارك ليس من باب التعبئة والحشد فقط بل ومن باب ايضاح الحقيقة وعدم قلب المشهد من توضيح عدم التكافؤ الذي يتطلب النخوة والمناصرة والمؤازرة والتعاطف دون الاستسلام إلى القدرة الكاملة على إحراز النصر وتفكيك بنى العدو وليس دحره فقط بل والتغلب عليه وتدميره وزلزلته ، ولابد من فصل التمنيات عن الواقع لأن الإعلام الذي يمارس التمني لن يحقق أهدافه لأنه يغالط جماهيره ويدفعهم للوقوع ضحايا عدم القدرة على الفعل والعجز ، أما الإعلام المسؤول والرصين فهو الذي يعتمد عليه فهو لايخدع جماهيره ولايزيف الحقائق ولايكذب ، لأن القائمين عليه ببساطة شديدة لايطلبون من أعدائهم مخاطبتهم بلغة غير التي تفهمها الجماهير ولايستتر تحت حجب من الستائر والتمويه والتخفي والأسماء المستعارة والألقاب الغامضة ، إنه إعلام واضح وصريح بأسمائه وأشخاصه وأدواته ومنهجه ، فلايذهب للتأويل والتجزئة والحذف والتزييف والنفاق، ولأن العالم مكتظ بالعداوات والمرارات والقتلة والضحايا ، فخطورة الإعلام هي تحويل الضحية والمعتدى عليه والمسلوب حقه إلى قاتل ومعتدٍ وشيطان ، بينما يحول الإعلام المغرض القتلة الحقيقيون إلى ملائكة طيبين ، والغريب أن هذا المنتج الإعلامي سرعان مايصبح متأججا ومثيرا ، ويكبر ويتضخم بالتناقل غير الصادق ككرة ثلج متدحرجة ، ويؤجج هذا التشظي المخيف منظومة معقدة من مهندسي المشهدالعالمي قوامها تحالف غريب بين رأس المال المتمثل في الشركات الاحتكارية الضخمة، وساسة منغمسين في الفساد ومؤسسات عسكرية مرعبة ومجموعات هائلة من مهندسي الأخلاق الكاذبة وأصحاب الحظوة مردفة بمحللين ومحرمين للشرائع والقيم ، فيما يشبه عملية مدروسة لتبادل المنفعة العضوية ، فتنتج السياسة المادة الأولية للحدث ولخطابه وضرورته عبر التلميح تارة والتصريح تارة أخرى وإيجاد المبررات ، ثم يستلم الإعلام المهمة في إعادة إنتاج السيناريوهات بمايخدم لحظة تقريبها ، بينما تتولى المؤسسات العسكرية المتحفزة للحروب للتنفيذ ، ليعيد الإعلام تقديم نفسه كخادم ، محايد للحقيقة في نقل الصورة المروعة للقصف والتدمير . أما الجماهير البسيطة المتفرجة فلاتملك إلا المشاهدة وذرف الدموع وفي بعض الأحيان الدعاء للمستضعفين وإنها مهزلة الحداثة والحضارة التي نقلت مشهد القتل من دفاتر الكتب والتاريخ إلى البيوت ، فصار حلم الأطفال كوابيس وخيّم الحزن العميق على النفوس ، وبينما يغض الإعلام الممنهج لخدمة الخطاب العدواني يغض الطرف عن أسباب المشاكل فإنه يقع في مغالطة تاريخية، بسبب الإدارك والفهم الذي قدمته تكنولوجيا المعلومات ، تلك التكنولوجيا التي حولت المشهد برمته إلى كارثة وأصبح الحدث في نظر الشعوب ومايصاحبه من طبخات وبلاغة ليس سوى وهم وكذب وهو مايدفع اليائسين لأفعال رهيبة. فالبرغم من أن مندي الخطط يتوهمون أنهم قادرون على إعادة ترتيب التاريخ نفسه وسوق البشرية كالقطعان إلى مايريدون ، إلا أن جرعة الوعي والإدارك قد زادت لدى الناس والشعوب وهو مايشكل عقبة كأداء في المستقبل أمام مايحاك ضد الشعوب ، وهذا لن يسمح بتكرار الحدث نفسه عدة مرات بدون أخطاء قاتلة لأن معديه لم يضعوا قيمة لعناصر الزمان والمكان والشعوب ، فالخطاب الذي هو صناعة الجمل والكلمات المشوشة لا الحقائق ، فالكلمات المنتقاة الهائمة في أمس التاريخ لم تعد قادرة على قبول التأويل الكاذب ، لأن القاتل قاتل والجلاد جلاد والضحية هي الضحية ، فما يحصل في غزة هو إبادة جماعية وتطهير عرقي ضد شعب أعزل وليست دفاعا عن مستوطنات آمنة كما قالت اللوفيغارو الفرنسية .
د / أبــولقاسم صـــميدة
|
|
| آخر تحديث ( 27/06/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|