زوايـا رئيسيـة
آيات الهدى | آيات الهدى |
|
|
|
أهــل الكهف
ويبعث الله الفتية الراقدين أحياءًً بعد أن ظلوا نياماً أمداً طويلاً و هلك دافيوس و ما قام ولكنهم من بعده كانوا قائمين ، في عهد غير عهده قاموا من رقادهم في قوم آمنوا ثم كانوا من المرتدين ، و أنكروا يوم البعث وا تبعوا غير ما أتاهم الله و أصبحوا من الكافرين ، و يجازي الله الذين به و بيوم البعث كانوا من المؤمنين الصادقين الصابرين المحتسبين الذين ما كانوا بغير الله مؤمنين ، والفتية بعد ثلاثمائة و تسع من السنين من نومتهم صاروا قائمين ، ليعلم القوم بأنهم كم كانوا عن الهدى ضالين ، و أنهم بما أنعم الله عليهم كفروا و كانوا مع الغابرين .
و اختلفوا في عددهم فقال بعض أهل الكتاب إنهم ثلاثة و رابعهم كلبهم و يقول آخرون إنهم خمسة وسادسهم كلبهم ظناً لا يقيناً ، و يقول غيرهم إنهم سبعة و ثامنهم كلبهم و الله أعلم بعددهم و لا يعلم حقيقتهم إلا القليل ، و يأمر الله النبي بعدم مجادلة المختلفين في شأنهم و عدم محاولة إقناعهم فهم لا يقتنعون ، و أن لا يسأل المجادلون عن نبئهم فقد أتاه الله الحق الذي لا مرية فيه" سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم و يقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب و يقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهرا و لا تستفت فيهم منهم أحداً (22)«الكهف» .
و مكث الفتية في كهفهم نياماً ثلاثمائة سنين زادت تسعاً ما يثبت الحقيقة الفلكية بأن الثلاثمائة سنة شمسية تقابلها ثلاثمائة و تسع سنوات قمرية ، تسبق في ذلك علم الفلك و الله وحده العالم بالزمن الذي كانوا فيه نائمين ، و هو سبحانه المختص بعلم الغيب في السموات و الأرض و في العالمين " و لبثوا في كهفم ثلاث مائةٍ سنين وازدادوا تسعاً {25}قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات و الأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي و لا يشرك في حكمه أحدا {26}." [ الكهف ] ، و بعث الله أهل الكهف ليظهر علمه بمن أصاب من الفريقين في تقدير مدة مكثهم في الكهف " ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً {12} ." [ الكهف ] ، و يقص الله على نبيه صدق أمرهم بأنهم فتية كانوا قبل العهود السابقة على دين الحق و صدقوا بوحدانية ربهم وسط قوم مشركين ، و زادهم الله يقيناً وثبت قلوبهم على الإيمان وحباهم بالصبر على الشدائد بما قاموا في قومهم متعاهدين ، بأن ربهم الحق رب السموات و الأرض و لن يعبدوا من غيره إلهاً ، و لن يتحولوا عن ذلك كافرين " نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدًى {13} وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططا {14}. " [ الكهف ] ، وجادلوا قومهم فيما أتوه من ألوهية وما يعبدون من دون الله وكانوا كافرين ، و اعتزلوا القوم في شركهم و لجأوا إلى الكهف فراراً بدينهم و هم من المؤمنين ، و بسط الله لهم من مغفرته وسهل لهم من أمرهم بما ينفعهم و كانوا في حياتهم من الزاهدين " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا {15} و إذ عزلتموهم و ما يعبدون إلا الله فآووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته و يهيء لكم من أمركم مرفقا{16}."[الكهف]، و هلك دافيوس و خلفه على عرش الروم ملوك كثيرون حتى كان عهد الملك ثيودسيوس الصغير (408 م - 450 م) ، الذي ظهرت في عهده بدع عديدة منها إنكار قيامة الموتى فأوحى الله لأدونيس أن ينزع حجارة باب الكهف ليشيد حظيرة وهو له من الفاتحين ، فبعث الله الفتية أحياءً ضانين أنهم ناموا يوما أو بضع يوم ، و أرسلوا يمليخا طلبا لطعام ليجد أن المدينة و الناس متغيرون ، فأصابته الحيرة و الشك في المدينة و عجل بشراء الخبز بما لديه من دراهم و عجل الخروج من المدينة ، فظنوا أنه عثر على كنز قديم و قبضوا عليه و هم عن مصدرها متسائلون ، و جاؤوا بأسقف المدينة و الوالي أفسس الذين جعلتهم العناية الإلهية حضوراً و بعث الله الموتى و هم شاهدون ، و كان يمليخا ينكر قولهم بزوال عهد دافيوس وقدم عملته و هو الذي بها قبل يوم خبزاً كان من الشارين ، واحتاروا في أمره و استغربوا حاله و قد كان دافيوس و من بعده ماتوا منذ قرون ، وأخذهم إلى الكهف ليلتقوا بأصحابه ليعرفوا منهم أمرهم الأكيد و هم مجتمعون ، واقتنعوا بأنها رؤيا ليظهر الله لهم على أيديهم حقيقة البعث التي كانوا لها منكرين ، و بباب الكهف وجدوا الصندوق الذي من نحاس و به لوحان فيهما أمر الفتية مكتوب وضعه بعض من قومهم المؤمنين ، لقد هرب إلى هذا الكهف من أمام وجه دافيوس الملك المعترفون مكسيمليانوس و يمليخا ومرتينيانوس و يونيسيوس ويؤنس و سرافيوس وقسطنطنيوس و أنطونيوس و قد سد الكهف عليهم بالحجارة " ، وكتب في سطور اللوحين الأخيرة عن دينهم ، و دخلوا الكهف و التقوا بالفتية وكلموهم و كانوا لحديثهم من السامعين .
و جعل الله في الكهف فتحة يجيئهم منها الهواء وإذا طلعت الشمس من الشرق عن يمينهم مالت أشعتها عنهم وإذا غربت عن يسارهم تجاوزتهم و لا تدخل أشعتها في كهفهم حتى لا تؤذيهم الشمس بلظاها و كان الله حافظا لهم في العالمين" و ترى الشمس إذا طلعت تَّزاور عن كهفهم ذات اليمين و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله و من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا {17}." [ الكهف]، ويظنهم الناظرمستيقظين و هم في الحقيقة نيام كأنهم منتبهين ، و يجلس كلبهم الذي صاحبهم بالفناء ماداً ذراعيه حارساصاً لهم و هو من النائمين ، و يفر من يراهم على تلك الحال هارباً و قلبه ممتلئ رعباً وهو من المفزوعين حتى لا يدنوا منهم أحد و لا تمسهم يد إلى أن ينتهي الأجل الذي كانوا له من المنتظرين "و تحسبهم أيقاظاً و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيدل واطلعت عليهم لوليت منهم فراراً و لمُلئت منهم رعباً {18}." [ الكهف ] ، واستيقظوا و ذهب واحد منهم بالعملة إلى المدينة ليتخير أطيب الأطعمة و يأتيهم منها وكانوا جائعين ، و أن يحترس فلا يظهر أمرهم لأحد من الناس فيروهم و يكونوا لهم راجمين ، أو يعيدوهم إلى الشرك الذي إذا عادوا إليه لن يكونوا في الدنيا و الآخرة من المفلحين " و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماًل أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه و ليتلطف و لا يشعرن بكم أحداً {19} إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا {20}." [ الكهف ]، و كما أماتهم الله بعثهم و أطلع أهل المدينة عليهم ليعلموا أن وعده بالبعث حق و أن القيامة لا شك فيها فيكونوا من المؤمنين ، ثم مرة أخرى أمات الله الفتية فتنازع القوم في شأنهم فرأى بعضهم أن يبنوا على باب الكهف بنيانا و يتركوهم وشأنهم فالله وحده بهم عليم " كذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق و أن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا {21}." [الكهف ] ، و رأى أصحاب الكلمة في القوم أن يتخذوا على مكانهم قيل في الأردن مسجدا للعابدين .
و هكذا كان من الرتاب نور موعد الحياة ليعلم القوم الجاهلين ، لتسطع من ظلمات الكهف حقيقة قيامة الموتى وتنبعث أجساد الفتية ليُوَدِّعُوا قوما أصبحوا تائبين ، وليُسْلِمُوا الروح عوداً إلى القدير الذي أقامهم من بعد أن كانوا في سُبَاتٍ نائمين .
د . سالم إبراهيم بن عامر
|
|
| آخر تحديث ( 27/06/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|