زوايـا رئيسيـة
خطابات من الريف | خطابات من الريف |
|
|
|
في الثورة وجمالياتها
إذا كانت الثورة منهج تفكير تقدمي ينـزع نحو الحقيقة ، بما هي علم ، ونقصد بالعلم أنه اكتمال حقيقة الشيء ، والاقتراب باكتمال حقيقة الشيء من الحق بما هو إيمان بالغيب ، وبما هو غير متشيئ ، أي لا يتظرف ولا يحده مكان ولازمان ، فالإنسان في مقدوره أن يدرك من خلال المعرفة ، أي أن يدرك المحدود ، والإنسانية في نهاية طريقها (الحياة الدنيا) ، ستصل إلى اكتشاف حقيقة الأشياء كاملة ، أي أن الحقيقة بما هي أبعد من المتحقق ومن الذي يتحقق أي أنها إضافة إلى ذلك الذي سوف يتحقق ، هي مشروع الاكتشاف ، وكلما تقدم الإنسان في المعرفة ازدادت حالة تكشف الحقيقة ، ومن ثم نصف الحقيقة في استخدامنا اليومي بالعراء ، فنقول : الحقيقة العارية ، ومصطلح الكشف والاكتشاف مصطلح يستخدمه الجميع بغض النظر عن تخصصاتهم أو عن نـزعاتهم ، أو عن مذاهبهم ، فالصوفيون يستخدمون الكشف ، أو الاكتشاف ، والباحثون في قوانين الأشياء الفيزيائية والكيميائية ، بل والحيوية ، يتحدثون عن الكشف والاكتشاف ، والتجريديون العقلانيون يقولون بذلك ، بل إن الإنسان ينـزع دائمًا نحو الاكتشاف ، إضافة إلى أن هذا النـزوع قد يكون مدفوعًا بالخوف ، أو بما يطلق عليه أحيانًا بحب الاستطلاع ، إلا أن الاستطلاع هو دافع قوي للإطلاع ، وهذا الدافع هو نتاج إحساس الإنسان بالنقص والمحدودية المعرفية ، بل وإحساس الإنسان بمحدوديته ، وربما تكشف قصة آدم عليه السلام ورغبته في الخلود هذه النـزعة ، أو هذا الدافع الذي يحدث قلقًا من المحدد ورغبة في الوصول إلى المطلق .
إن الثورة بذلك هي مشروع العلم ، بما هي كما أشرت منهج تفكير تقدمي ، وهي كذلك إنسانية ، والوصف بالإنسانية هو وصف منفتح على الإنسان ومتحرك بطبيعة قانون الحركة ، وقانون الحياة ، أي أن الثورة هي بهذا المنهج تضع الإنسان في مشروع الإنسانية المنفتح على العلم والحرية والتقدم ، بل والإيمان ، فالإيمان قدرة فائقة على تجاوز الآني ، ولكن هذا التجاوز ليس قطيعة ولا انقطاع ، بل هو تجاوز واع يفتح الآني على الآتي ، والآتي الذي هو الغيبي هو تصور في الذهن ، والإنسان إذا فقد قدرته على التذكر وقدرته على التصور ، أي الذي تحقق والذي سوف يتحقق فإنه ينقطع عن التاريخ ، فالمضارع المتحرك سيظل أشبه بحركة المراوحة العسكرية التي لا تغادر بها المكان ، إذا يمكن القول إن الثورة إيمان ، كما يمكن القول كذلك إن كل مشاريع الرسالات الإلهية هي خروج عن هذا المعقول الذي يقيد قدرة الذهن على التذكر والتخيل والتصور ، إنها مشاريع تجعل الإسلام ، هو المضارع ، الذي ينفتح على الإيمان ، فالإسلام هو إدراك وتسليم بحقيقة الإنسان باعتباره محدودًا وأنه يفعل ضمن الممكن ، وإن كان هذا الممكن قد يتحول إلى إمكانية ، فيتحول الفعل إلى عمل ، إلى عمل صالح ، ومن ثم يتقدم الإنسان بالعلم عن الفعل ، وبالإيمان عن الإسلام ، وبالعمل الصالح إلى الإيمان ، ولهذا يربط الوحي القرآني دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح وليس الفعل ، لأن الفعل متظرف ومحدود ، قد يكن الفعل مفيدًا ، وقد يكون الفعل نافعًا ، وقد يكون مربحًا ، وهذه كلها تقع ضمن المحدود الظرفي ، وقابلة للأحكام الظرفية ، ولكن العمل لا يمكن أن يخضع لهذه الأحكام أو لهذه الحسابات ، لأن العمل يتم ضمن التقدير ، فالتقدير قدرة على الرؤيا ، تتجاوز الحسابات الواقعية والمنطقية التي تقع ضمن محدود الرؤية ، والتي تخضع بحكم هذه المنطقية إلى هذه الأحكام والقياسات المنطقية ، وبهذا نفهم قوله تعالى :" قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 14)") سورة الحجرات .
من هنا نربط بين الثورة بما هي منهج تفكير منفتح على العلم والحرية والتقدم والإنسانية ، وبين الجمال بما هو كذلك اسم معنى ، هو أبعد من الجميل ، فالجميل كما أشرنا هو وصف يرتبط بموصوف ، هذا الموصوف متظرف ومتعين ويمكن القول إنه متجسد ، أي قابل للإدراك ، ولأنه كذلك فإنه خاضع للأحكام المعيارية ، وهذه الأحكام تختلف باختلاف مرجعية الأحكام ، فما نراه اليوم جميلاً قد لا يكون كذلك غدًا ، بل يمكن أن نضيف إلى ذلك أوضاعنا النفسية ، أو ما يطلق عليه القرآن الهوى الذي إذا استحكم صار بمثابة الإله الذي يصد الإنسان عن طريق وصوله إلى العلم والحقيقة ، أي هذا الصنم والبرزخ الذي يفصل بين الإنسان ومشروع الحقيقة :" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 23)") سورة الجاثية ، إضافة إلى جملة من العوائق ، كالظن ، والشك ، والحسابات الخاطئة التي تحدث جميعًا تأثيرها في الأحكام ، وإن كانت هذه الأخطاء التي هي أحكام توصف بالصواب والخطأ ، ولكن لا يمكن أن نعتبرها الحقيقة ، أي اعتبار هذه الأحكام حقيقة ، حيث تكون المصادرات ويأتي الشطح الصوفي الحلولي الذي يجعل من المحدود مطلقًا ، فالمتألهون يدعون أن أحكامهم هي الحقيقة ، أي أنهم هم المطلق ، وأحيانًا يقولون إنهم الحقيقة المطلقة ، وبلغة الصوفية العدمية أنهم أهل الحقيقة أو أهل العرفان ، ويمكن أن نضع كل المدعين بامتلاك الحقيقة ضمن حالة الشطح الصوفي ، وقد نعتبرها حالات مرضية ، فالتأله والطغيان هو تمامًا مثل الشعور بالنقص ، فلا طغيان ينشأ إلا من تراجع أصحاب الحق عن حقهم ، ومن ثم يؤكد الإسلام على سد الفُرج ، بكل ما يعطيه مصطلح الفُرج من مفاهيم ن فليس سد الفُرج في الصلاة التعبدية فحسب ، هذه الصلاة هي المدرسة التي تخرج المصلين إلى الحياة ، وقد أدركوا أهمية سد الفرج وملء الفراغات ، وأهمية الصف الواحد كأنه بنيان مرصوص ، وبذلك يتجنب المؤمنون أي فراغ يسمح بالاختراق والاستعمار ، ومن ثم فإن الصلاة هي تجربة في القمة ، تعلمنا الاتصال ، إنها إيمان وعمل ، إيمان بقدرة الإنسان المحدود على الاتصال بالمطلق والغيبي ، ولأنها كذلك فإن أفعال الصلاة التي توصل الإنسان إلى هذا المطلق تتقدم به نحو العمل ، فالعمل الإيماني عبادة ، والثوريون بهذا المفهوم هم مؤمنون ، وهم يمارسون العمل الثوري ، يتعبدون كذلك ، هذا إذا فهمنا العبادة بمثابة تعبيد الطريق ، أي إعداد النفس لهذه الرحلة الإيمانية وإعداد الإنسان من خلال العمل لأن يكون ضمن رحلة الإنسانية نحو التقدم ونحو الغيب ، وبهذا يتحول هذا التصور ، تصور المطلق إلى حالة جمالية ، فالثوري ليس الصوفي الذي يشطح ، ولا ذاك الذي ينقطع كالعنكبوت إلى الأركان ، متخذًا بيتًا هو أوهن البيوت ، فالثوري مؤمن وفاعل ومؤثر ولأنه كذلك فإنه يعمل ، وبذلك تلتقي الثورة بالإيمان والعمل وتربط الثورة باعتبارها منهج تفكير الإنسان الثائر بالغيب بما هو (جنون) ، والجنون في العربية ليس الخبل ، بل الجنون قدرة على استشراف الغيب ، حيث (جنّ) ، في العربية ، كل ما اختفى وغاب ، حكمًا أو حقيقة ، فالجنين في بطن أمه هو كذلك لأنه غائب عن بصرنا المحدود ، والجنّ هم كذلك لأنهم خارج قدرتنا العادية على الإبصار ، والجنة هي كذلك لأنها غائبة ، ولأن علاقتنا بها هي علاقة إيمان وعمل ، لا تدرك بالعقل ، ولا تقع ضمن الظرف ، وكما وصفها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :"فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر" ، أي أن الجنة خارج أي إدراك ، إذ لا يدرك إلا المحدود أو المتظرف والقابل للإدراك ، كما أن العقل الذي هو قدرة من قدرات الذهن مهمته إحداث عقل ، أي سكون صوري للحركة من خلال التجريد ، أي تجريد الشيء من شيئيته ، وتجريد الحي من حيويته ، ولهذا ظن الكفار أن الأنبياء مجانين ، ولكن لم يقصدوا أنهم مخبولون ، بل لأن ما يبشرون به هو خارج المعقول وخارج حسابات البشر العاديين ، فلا غرو ولله المثل الأعلى ولرسله ، أن يتوهم أمثال هؤلاء أن الثوريين مجانين ، فالثوريون يحملون أحلامهم ، ولكنهم في ذات الوقت يتحملون أحمالهم ، ولأنهم يحلمون بهذا المطلق والآتي والغيبي لا يصابون باليأس أو الإحباط ، ولا يقعون ضمن قيود الظرفية ، أو أحكام الجر ، فالظرفية تفرض السكون وهم مع الحركة ، والجر يأتي نتاج الكسر وهم في حالة الرفع ، إنهم لأنهم يحلون مبادئ هم في حال المبتدأ الذي ينفتح على الخبر باستمرار ، قد تفرض عليهم المعطيات أن يكون الخبر شبه جملة ، من الجار والمجرور والظرف ، ولكن المبتدأ يبقى هو المبتدأ ، إذا ما يلبث هؤلاء أن يخرجوا من هذه الظرفية ، فالإيمان وحده الذي يمكنهم من ذلك ، ولكنهم يدركون كذلك الارتباط بين الإيمان والعمل ، والعمل والعلم ، وأنه من أراد أن يكون علمًا فإنه لا شك يدرك أنه لا علم بلا عمل ولا عمل بلا علم ، ولا علم دون أن يكون عالمًا عاملاً ، إن الجمالية أي القدرة عل تجاوز الجميل تأتي من خلال هذا التصور البلاغي ، حيث البلاغة هي البلوغ ، وهي الوصول ، وهي هذه العبارة التي نتمكن بها من العبور نحو المطلق ، ومن ثم كان الحديث عن الغيب في الوحي القرآني من خلال الأمثال والتشبيهات ، وهذا ما سنتناوله في خطاب قادم بإذنه تعالى .
أ . د . المهدي مفتاح امبيرش
|
|
| آخر تحديث ( 27/06/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|