قضايا و تحليلات
تجــاعيد على وجــه الـــرأسمالية | تجــاعيد على وجــه الـــرأسمالية |
|
|
|
شهد العالم خلال القرن الماضي كوارث كبرى ، وفي مقدمتها حربان عالميتان حصدتا أكثر من 60 مليون إنسان ، وأضعاف أضعافهم من الجرحى والمعوقين ، ناهيك عن الدمار الشامل الذي لحق بأوروبا والعالم ، والذي ماتزال آثاره ظاهرة حتى اليوم .
إن النظام الرأسمالي الذي يقوم على وجود قانون سوق حرة ومنافسة حرة ، تعرض لتحديات جسام أطاحات برأسه وعلى وجه الخصوص منذ أن انطفأت نار الحرب العالمية الأولى وتنفس العالم الصعداء ، ورغم مأساة النظام الرأسمالي مايزال بعض رجال الاقتصاد يتفقون مع (آدم سميث )على أن النظام يمثل عالماً بهيجاً للمنافسة الحرة بل إن المصلحة الخاصة على المدى الطويل تؤدي إلى ما فيه مصلحة الجماعة..
هذه الصورة الوضاءة التي رسمها عملاق الاقتصاد آدم سميث وتلقفها رجال الاقتصاد بعده في التطبيق الذي كان حرفياً في بعض الأحيان وعلى رغم ما يكتنفها من أخطاء بل ومظالم بحق المجتمعات ، هذه الصورة الجميلة وصفت بالقاتمة والمتشائمة من عمالقة اقتصاد آخرين مثل مالتس وريكارودو ، على رغم أنهما لم يدعوا إلى إلغاء النظام الرأسمالي الذي بقي صامداً يصد الرياح العاتية التي تهب عليه ..
وبقي النظام الرأسمالي الذي تلقى ضربات عدة أهمها كساد عام 1929 الذي قال عنه البعض إنه كان بمثابة مرض عضال ، واعتماداً علي هذا المفهوم جاء مينارد كينز وتبنى أفكاراً تؤدي على حد قوله إلى التغلب على المرض بالفعل على رغم كل الضربات التي تلقاها النظام ، وزاد مؤكداً أن رجال النظام الرأسمالي مسؤولون بشكل أكبر بعد أزمات الكساد عن حاضرهم ومستقبلهم ، وفي هذا تحكم في مصير مجتمعهم الاقتصادي ، وانتشل مشروع مارشال برنامج الإصلاح الأوروبي » سنة 1947 اقتصاد اوروبا من الإنهيار ، وعلى رغم الحروب والصراعات التي أدارها القطبان الاتحاد السوفيتي « السابق» والولايات المتحدة ومنها الحرب الكورية وحرب فيتنام ، بقى النظام الرأسمالي واقفاً على قدميه .
اليوم وبعد السقوط المدوي للنظام الاقتصادي الشيوعي ، يشهد النظام الاقتصادي الرأسمالي كساداً عظيماً ، فمن أين بدأ هذا الكساد ؟ بدأ من أرض أكبر دولة تتزعم النظام الرأسمالي ، أمريكا صاحبة أكبر اقتصاد إجمالي ناتجها القومي أكثر من 14 تريليون دولار ، وهي صاحبة أكبر استهلاك عالمي وفي مقدمته استهلاك النفط هذه الإمبراطورية الاقتصادية والعسكرية الضخمة اقتصادها معرض للانهيار ، فهي ترتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه الاتحاد السوفيتي السابق » تمدد هنا وهناك في قارات العالم فانهار..
وبعد أن اعتقدت الإدارة الأمريكية أنها القطب الأوحد راحت تصول وتجول وتشن الحرب تلو الحرب حتى غرقت في بحر من الديون ، كأكبر دولة مدينة في العالم ، وتعاظم العجز في موازناتها وبلغت موازنة الدفاع وحدها نحو 700 بليون دولار لعام 2007 وبلغ ما أنفقته على حروبها في أفغانستان والعراق حتى اليوم أكثر من 800بليون دولار وما خفى كان أعظم والحبل على الجرار .
وجاءت اللحظة الحاسمة ، أفاق الاقتصاد الأمريكي الكبير على كارثة فقاعة الرهن العقاري التي تفجرت منذ نحو العام لتواجه أمريكا أقسي وأسوأ أزماتها الاقتصادية ، وتدخل في أتون كساد مخيف أطاح بعرش اقتصاد الإمبراطورية العظمى ، وبدأت سلسلة السقوط الرهيب لقطاع العقار في ذلك البلد ، فعجز المقترضون الذين اقترضوا لبناء مساكن أو شرائها عن الوفاء لسداد ديونهم ، وهبت الحكومة الامريكية للاستحواذ على المؤسسات المترنحة لتمنع انهيارها.
واعتقدت أنها قضت على المرض ، لكن بعد فترة ليست بالطويلة برزت أعراض المرض الحقيقية على الجهاز المصرفي الأمريكي ، وسارعت الحكومة الأمريكية مرة أخرى إلى الوقوف إلى جانب بعض البنوك الكبيرة لتمنع انهيارها ، وعلى رغم هذا التدخل المستمر من حكومة أمريكا ، إلا أن المجموعة الأمريكية العالمية للتأمين التي تعتبر أكبر شركة تأمين أمريكية أعلنت انهيارها لتوقف عمليات الإقراض ، لتحدث شرخاً عميقاً في الاقتصاد الامريكي ، خصوصاً أن نحو ثلثي الاقتصاد الأمريكي يعتمد في تحركه على عمليات الإقراض .
وبحثاً عن حل عادت الحكومة الأمريكية لتشمر عن سواعدها لتواجه هذا الكساد ، فأعلنت ما أطلقت عليه خطة الإنقاذ المالي لمواجهة المرض الخطر الذي أصبح علاجه صعباً ، هرعت السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية تطالب باعتماد 700 بليون دولار تلك الخطة العاجلة التي تعد الأكبر في تاريخ أمريكا !!
وعلى رغم هذا المبلغ الفلكي إلا أن العارفين باقتصاد الولايات المتحدة والتزامات ذلك البلد والنفق المظلم الذي دخلت فيه سياسات الإدارة الأمريكية على المستوى الدولي ، يدرك أن الخطة رغم طموحها لن يكون بمستطاعها وقف زحف أزمة الكساد وتداعياتها ، فالأزمة ماتزال في مراحلها الأولى ، وستخرج من رحمها مفاجآت كبرى تنكىء جرحاً عميقاً في جسد الاقتصاد الأمريكي ، وستلقى بظلالها الكئيبة على اقتصادات العالم برمته ، خصوصاً تلك الدول المرتبطة عملاتها بالدولار الذي أصبح يترنح بين الحياة والموت .
فعندما تجاوبت البورصات الأمريكية سلباً مع الانهيارات التي شهدتها بعض المصارف وشركات التأمين والإقراض الأمريكية دب الذعر في أسواق الأسهم والسندات الأمريكية وتعرضت لخسائر فادحة ، وامتد الأثر إلى بعض دول أوروبا وبورصات الشرق الأوسط والأقصى وبالطبع البورصات الضعيفة في الوطن العربي.
وهذا كله يؤكد أن تراجع الاقتصاد الأمريكي أو انكماشه يترك أثره على الأسواق المالية الأخرى وهذا ما حدث بالفعل ، فقد امتدت أزمة الرهن إلى بعض دول أوربا وأول الضحايا بنك « برادفورد آند بينغلي » البريطاني بل إن الدول المنتجة للنفط بدأت تتخوف مع انهيار سعر صرف العملة الأمريكية التي يسعر بها النفط ووطأة التضخم الجامح من أن تلجأ الولايات المتحدة إلى خفض استهلاكها من النفط ، وباعتبارها أكبر مستهلك له فتتأثر أسعاره هبوطاً المهم أن الولايات المتحدة تواجه كارثة اقتصادية أطاحت بالنظام المالي والعالم اليوم يهتز اقتصادياً من أقصاه إلى أقصاه ، يترقب ماذا سيحدث للاقتصاد الامريكي والنظام الرأسمالي برمته ولو أن كارل ماركس مازال على قيد الحياة لصفق فرحاً وطرباً وهو يرى الرأسمالية تغرق في حال كساد رهيب ، ولو أن آدم سميث وزملاءه الذين أسسوا قانون السوق الحرة مازالوا أحياء لاصيبوا بالكآبة ولأشفقوا وذرفوا الدموع على هذا النظام الذي خرج عن طريقه المرسوم فاصطدم بالواقع المرير الذي قد يكتب نهايته .
من خلال الاستعراض السابق لاحظنا أن الحكومة الأمريكية سارعت في محاولة لمعالجة الكارثة لشراء الديون السيئة أو الميتة وسبق لها من قبل شراء الرهون الميتة بل وشراء مصارف على رغم تطبيقها للنظام الرأسمالي ، أما في الوطن العربي فلم نسمع صوتاً واحدآً ينادي بالتصدى لآثار الأزمة التي ستطال من دون شك الاقتصادات العربية وفي مقدمتها اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي التي تدير صناديق سياديةتستثمر أرقاماً فلكية في عروق الاقتصاد الأمريكي والمصارف العربية هي الأخرى ليست بمنأى عن استثمارات أمريكا التي دخل اقتصادها الكساد الكبير ، هذا إذا استثنينا الإمارات ، التي قرر بنكها المركزي ضخ 50بليون درهم في النظام المالي لتخفيف مشكلات السيولة المحلية ..
أما سوى ذلك فلم نسمع تعليقاً اقتصادياً مقنعاً من البنوك المركزية لهذه الدول سوى القول إن الدول العربية بمنأى عن هذه الأزمة وأن ارتباط العملات بالدولار مستمر على رغم أن هذه الصناديق السيادية تخطط لاستثمار أكثر من 750 بليون دولار في الدول الغربية خصوصاً في سوق العقار .
وعلى رغم ما قيل ويقال حول عدم تأثر اقتصادات الدول العربية بكارثة الاقتصاد الأمريكي إلا أن المنطق يقول إن دول المجلس ليست بعيدة عن تأثر اقتصادها لاسباب منها أن بعض المصارف والمؤسسات المالية في الخليج تمتلك سندات في الرهن العقاري أو تستثمر في عقود التزامات الديون المرتبطة بتلك السندات.. ناهيك عن أن بعض البنوك الخليجية لها استثمارات تدار عن طريق بنوك استثمارية أمريكية تأثرت بالأزمة وتحقق خسائر كبيرة إضافة إلى تأثر القطاع الأئتماني في دول المجلس
والسؤال لماذا تستسلم الدول العربية وتسلم قيادة اقتصادها لدول أخرى ، وتترك أمواج التغيير في تلك البلاد تلعب بسفن اقتصادها وتعرضها للخطر بل للغرق ؟ إن النظريات الاقتصادية المطروحة في العالم إذا كانت شيوعية أو رأسمالية أثبتت أنها غير قادرة على الاستمرار فقد سقط بعضها وبعضها آيل للسقوط ، فلمذا إذا لا يتم تبني نظرية اقتصادية جديدة أو طريق ثالث تجعلها في مأمن من التأثير السالب لتلك الاقتصادات المتهاوية..
تعليق
هذا التحليل الذي قدمه الكاتب والمحلل عيد بن مسعود الجهني قد أكد أن النظام الرأسمالي أثبت فشله وأصبح عملة غير قابلة للتداول ولاهمية هذا التحليل ننشره ونؤكد على حقيقة أن العالم أصبح اليوم في حاجة إلى تطبيق ما جاء بالنظرية العالمية الثالثة سياسياً واقتصادياً للخروج من أزماته المتلاحقة ومهما كابر الغرب فإن لاحل لهم إلا الطريق الذي يتحدثون عنه من تحت الطاولة وهو طريق النظرية العالمية الثالثة .
عيد بن مسعود الجهني
|
|
| آخر تحديث ( 27/06/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|
| الــرئــيــسـيـة |
| أخبــــــــــــار |
| زوايـا رئيسيـة |
| أبحــاث و دراسـات |
| مـقـــالات |
| قضايا و تحليلات |
| محليـات |
| ثقافـة و فنـون وآداب |
| رياضـة وفروسية وعروض |
| صفحات اسبوعية |
| كتاب الزحف الأخضر |