مـقـــالات
التعاون الدولي في معالجة مشاكل الألغام | التعاون الدولي في معالجة مشاكل الألغام |
|
|
|
يحتفل العالم سنوياً في اليوم التاسع من شهر الماء (مايو) بانتهاء الحرب العالمية الثانية.. ومع ذلك فإن شعوب العالم مازالت تعيش إلى يومنا هذا ويلات تلك الحرب التي خلفت وراءها الآلاف بل الملايين من الضحايا والكوارث ، ولايمر يوم إلا وتطالعنا الأخبار بانفجار أحد الألغام المزروعة في الأراضي والمياه الإقليمية في كل دول العالم التي دارت على أراضيها رحى تلك المعارك .
الحرب العالمية الثانية التي جرى جزء من معاركها على التراب الليبي بين الحلفاء والمحور ما بين 1940 1943- م تركت آثاراً مدمرة أضرت بالبيئة بسبب وجود الألغام والقنابل المدفونة في هذه الأراضي .. كما تسببت في إعاقة عمليات التنقيب عن النفط ومشاريع التنمية الزراعية والصناعية وحالت دون الاستفادة من المياة البحرية الليبية التي تمتد لألفي كيلومتر الغنية بالثروة السمكية والتي تعتبر مصدراً من مصادر الغذاء في ليبيا بعد أن فقد عديد الصيادين أرواحهم أثناء ممارسة مهنة الصيد التي توارثوها عن أجدادهم .
يعاني العالم هذه الأيام موجات من الإرهاب الدولي الذي يهدد البشرية في كل مكان - خاصة - بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث أفاق العالم وأصيب بالذهول من تلك الصدمة ، فعقدت المؤتمرات الدولية وأبرمت الاتفاقيات والمعاهدات للتصدي لهذه الظاهرة .
ولكن العالم للأسف لا يصاب بالذهول والصدمة عندما يسمع يومياً عبر وسائل الإعلام ، بوفاة طفل كان يلعب بأحد الألغام التي وجدها وهو في طريق العودة من المدرسة أو أثناء مرافقته لوالده في أحد الحقول الزراعية أو أثناء ذهابه في رحلة صيد مع والده بأحد قوارب الصيد قبالة الشواطئ الليبية .. ياللمفارقة !! لماذا لم يصدر مجلس الأمن قراراً يلزم فيه الدول المسببة للمآسي الناجمة عن انفجار الألغام بإزالة تلك الألغام وعلى نفقتها تنفيداً لاتفاقية ( جنيف) الرابعة لعام 1949م بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب واتفاقية (أوتوا) لعام 1997م بشأن منع زرع الألغام المضادة للأفراد ، والقرارات والتوصيات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1980م كذلك القرارات التي صدرت عن مجلس وزراء دول عدم الانحياز واللجنة الاقتصادية للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1970م ومجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية عام 1976م ومؤتمر قمة دول عدم الانحياز عام 1976م والدورة الخامسة لمجلس المحافظين لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 1977م و مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية عام 1980م وغيرها من القرارات والتوصيات الصادرة عن المؤتمرات الدولية بعد هذا التاريخ ؟.
يعود تاريخ حق ليبيا في مطالبة الدول المسببة للأضرار الناجمة عن وجود الألغام ومخلفات الحرب العالمية الثانية في الأراضي الليبية إلى القرار رقم (388) الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة بتاريخ 1950/12/15م بشأن تقديم المساعدات الفنية والمالية لليبيا والذي جاء فيه :
لقد كانت ليبيا وهي مستعمرة إيطالية سابقاً مسرحاً لعمليات عسكرية مهمة خلال الحرب العالمية الثانية أدت إلى إحداث أضرار فادحة في الأرواح والممتلكات الخاصة والخدمات العامة مابين عامي 1940- - 1943 م.
وعندما احتلت بريطانيا وفرنسا الأراضي الليبية وأصبحتا مسؤولتين عن الإدارة في ليبيا فإنهما لم يعملا على تخصيص الاعتمادات اللازمة لإزالة الألغام التي زرعت أثناء الاستعمار الإيطالي أو أثناء الاحتلال العسكري الألماني والبريطاني والفرنسي لليبيا .
وبالنظر إلى عدم الحصول على المعلومات الضرورية والدقيقة حول الأضرار الناجمة عن تلك الحرب فقد تم إيفاد خبير مختص في ذات المجال إلى ليبيا لإعداد تقرير شامل عن كافة الخسائر التي تعرضت لها ليبيا جراء الحرب العالمية الثانية .
وقد أعد الخبير المذكور تقريره المرفق الذي قدمه إلى الأمين العام للأمم المتحدة في شهر الكانون (ديسمبر) 1951 والذي قدر حجم الخسائر بـ«12.500.000 اثني عشر مليوناً وخمسمائة ألف جنيه إسترليني » حسب قيمة الجنيه في ذلك الوقت .
تأسيساً على هذا القرار تقدمت الجماهيرية العظمى في عام 1970م بمذكرات شفوية إلى سفارات كل من (ألمانيا الغربية ، ألمانيا الشرقية ، فرنسا ، إيطاليا ، بريطانيا » بشأن طلب المساعدة والتعاون في كشف الألغام المزروعة في الأراضي الليبية وإزالتها إلا أن هذه الدول لم تتجاوب مع المطلب الليبي بل اكتفت بتسليم بعض وليس كل الخرائط البرية والبحرية الموجودة لديها والتي تبين أماكن وجود تلك الألغام ، باستثناء إيطاليا التي أكدت استعدادها للمساهمة في إزالة تلك الألغام وقد تم تشكيل فريق عسكري ليبي إيطالي مشترك للبدء في إزالة الألغام .. كما قامت إيطاليا ببناء مستشفى بمدينة بنغازي لعلاج المتضررين من إنفجار الألغام ، إلا أنه إلى حد الآن لم تبدأ إيطاليا في إزالة تلك الألغام .. كما أن بريطانيا التي كانت مسؤولة عن إدارة ليبيا منذ 1944م ، لم تقم بأي جهد في هذا الخصوص .
وفي 1981/5/1م وبمدينة جنيف وبمبادرة من معهد (اليونيتار) للتدريب والبحث التابع للأمم المتحدة وبالاشتراك مع معهد الدراسات الدبلوماسية في ليبيا عقدت ندوة خصصت لدراسة مسألة إزالة الألغام المزروعة في الأراضي الليبية وإزالة البقايا المادية للحرب العالمية الثانية على ضوء التقارير الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة والسلطات الليبية التي أظهرت أن ما تم إزالته من الألغام في ليبيا لايزيد عن 20% من الألغام المزروعة التي تهدد المواطنين والحيوانات وتعيق التنمية الزراعية والصناعية والنفطية وتضر بالبيئة .
وإدراكاً من مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية ، للمخاطر التي تهدد البيئة جراء وجود الألغام المزروعة في الأراضي الليبية والأفريقية فقد أبرمت مؤسسة القذافي بتاريخ 2008/5/28 م إتفاقاً للتعاون المشترك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا بالخصوص ، حيث تضمن الاتفاق البنود التالية :-
1- دعم مبادرات إعادة تأهيل ضحايا الألغام .
2- القيام بأنشطة زيادة الوعي المجتمعي والمشاركة فيها .
3- تقديم الدعم لتنمية القدرات البشرية .
4- تقديم العون الفني لتعزيز جميع البيانات الإحصائية .
5- إقامة أنظمة لإدارة المعلومات في مجال الألغام .
وحرصاً من مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية على توسيع دائرة نشاطها خارج الحدو د الليبية ، فقد أبرمت بتاريخ 2007/4/2م اتفاقاً مع الحكومة التشادية ينص على دعم المؤسسة لجهود الحكومة التشادية لإزالة الألغام المزروعة إسهاماً منها في تهيئة الأراضي الزراعية والمراعي وبعث المشاريع التنموية الزراعية والصناعية والنفطية التي ستعود بالنفع على الشعب التشادي الصديق الذي تربطه أواصر المحبة والقربى مع الشعب الليبي عبر العصور .
لقد أنفقت ليبيا أكثر من «خمسمائة مليون دولار» حتى الآن لإزالة أكثر من « خمسة عشر مليون لغم» من الحقول النفطية والأراضي الزراعية والموانىء البحرية ومازال أكثر من (6) مليون لغم مدفون في الأراضي الليبية تشغل مساحة من الأراضي قدرت بثلاثة ملايين هكتار وهي تمثل 68% من مساحة الأراضي الزراعية بينما لم يتم تطهير إلا (950.000ألف هكتار ) فقط من هذه الأراضي الملغومة .
وفي عام 1997م أقرت الأمم المتحدة اتفاقية (أوتوا) بشأن حظر استعمال وتخزين وإنتاج الألغام ، المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام إلا أن الأمم المتحدة والدول التي زرعت تلك الألغام لم تتحرك بصورة جدية وملموسة لإنهاء المآسي التي تتعرض لها البشرية ليس في ليبيا فقط بل في كافة دول العالم التي تحتضن الملايين من الألغام بعد انتهاء الحروب التي جرت على أراضيها .
إن الجماهيرية العظمى بحاجة إلى المساعدات الفنية والتقنية الحديثة المتطورة التي تمتلكها الدول المتقدمة في هذا الخصوص خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار ما يسمى بالتغير المغناطيسي السنوي للكرة الأرضية الذي يعني أن ما تم زرعه من ألغام لايمكن الوصول إليه حالياً اعتماداً على خرائط الألغام التي أعدت قبل ستين سنة بسبب هذا التغيير ، حيث يبتعد مكان زرع اللغم عن موقعه المحدد بواقع (5 ملم) سنوياً .
لقد أدى انفجار الألغام المزروعة في الأراضي الليبية إلى وفاة أكثر من (خمسة آلاف ) شخص حتى سنة 1990م، وإصابة أكثر من (عشرة آلاف) شخص بعاهات مستديمة ونفوق أكثر من مائة ألف رأس من الحيوانات ومازالت تحصد الأرواح البشرية وتثير الذعر صبيحة كل يوم .
المطلب الليبي والعالمي بإزالة الألغام مازال مستمراً ومطروحاً في كل الاجتماعات والمؤتمرات الدولية والإقليمية التي تعقد من أجل التنمية والبيئة ونزع السلاح وغيرها من الاجتماعات ذات العلاقة بالموضوع .
لقد وقعت الجماهيرية معاهدة متميزة مع إيطاليا وهي معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون التي اعترفت بموجبها إيطاليا ولأول مرة بمسؤوليتها التاريخية عن الأضرار الناجمة عن الاستعمار الإيطالي للأراضي الليبية خلال الحقبة الاستعمارية التي امتدت من سنة 1911م وحتى سنة 1945 وأبدت اعتذارها التاريخي عن استعمارها لليبيا وتعهدت بدفع التعويض عن تلك الأضرار وإقامة مشاريع تنموية بقيمة «خمسة مليارات دولار) وتقديم منح دراسية وعلاج المتضررين من انفجار الألغام في المستشفيات الإيطالية (م23) من الاتفاقية .. كما تعهدت إيطاليا بدعم ليبيا في المحافل الدولية بشأن الأضرار التي لحقت بالمواطنين الليبيين من ضحايا انفجار الألغام وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة وتطهير هذه الأراضي مع كافة الدول المعنية (م 20) من الاتفاقية .
إن ماجاء في هذه الاتفاقية يعتبر نصراًللشعب الليبي تحقق بفعل إرادته الصلبة والنضال المستمر للأخ قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة طيلة أربعين سنة من أجل الوصول إلى مثل هذا الانتصار التاريخي غير المسبوق الذي بلاشك سيكون سابقة تاريخية ومرجعاً لكل شعوب العالم في الحصول على التعويض العادل عن حقبة الاستعمار في مختلف دول العالم .
إننا ندعو إلى جهد عالمي موحد في اتجاه إلزام الدول المسؤولة عن الألغام، المزروعة بإزالة تلك الألغام والكشف عن أماكن وجودها وتسليم الخرائط الدالة على أماكنها ، وتشكيل فرق دولية تحت إشراف الأمم المتحدة لمواجهة وإبطال الملايين من الجيوش المدفونة في باطن الأرض التي لايختلف ضررها عن الجيوش التي تتحرك فوق الأرض التي يتم مواجهتها بقوات تابعة لحلف (الناتو) وأحياناً بقوات دولية بقرار أو بدون قرار من مجلس الأمن .
د / عبدالسلام صالح عرفة
|
|
| آخر تحديث ( 27/06/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|
| الــرئــيــسـيـة |
| أخبــــــــــــار |
| زوايـا رئيسيـة |
| أبحــاث و دراسـات |
| مـقـــالات |
| قضايا و تحليلات |
| محليـات |
| ثقافـة و فنـون وآداب |
| رياضـة وفروسية وعروض |
| صفحات اسبوعية |
| كتاب الزحف الأخضر |