مـقـــالات
التسلح النووي في ظل تجدد الحرب الباردة | التسلح النووي في ظل تجدد الحرب الباردة |
|
|
|
إن قضية الإرهاب النووي باتت تمثل في الوقت الراهن أهمية خاصة بالنسبة لمسألة السلم والأمن الدوليين مثلما كانت منذ ثلاثة عقود مضت ، حيث كان التهديد النووي شبحاً مخيفاً يهدد البشرية جمعاء إبان السباق العسكري والتنافس بين دول حلفي «الناتو» و«وارسو» في زمن ماعرف بالحرب الباردة .. ولكن هذا الشبح - بعد أن تلاشى زمن هذه الحرب بانهيار أحد قطبي الصراع «الاتحاد السوفياتي » تحول إلى أشباح شتى تتنوع بتنوع توجهات وإمكانات جماعات العنف في أجزاء واسعة من العالم والأمر الأخطر على المستوى الدولي هو أن تجدد هذه الأشباح صار في دائرة المحتمل والممكن خاصة بعد تجدد مظاهر ماكان بين الفرقاء من حرب باردة .. فاندفاع الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي نحو القوقاز ومحاولة محاصرة روسيا الاتحادية وإضعاف شوكتها كل هذا أدى إلى بروز مرحلة جديدة من بوادر اندلاع حرب باردة جديدة آخذة في التشكل والتبلور انطلاقاً من الأوضاع في القوقاز ونظراً لخطورة الانفلات النووي وما يشكله من إرهاب يهدد الحياة البشرية على كوكب الأرض نستعرض ونطرح في هذا الملف القضية بكل خلفياتها التاريخية ونتائجها السياسية والأمنية المتوقعة وذلك لمناقشتها من مختلف جوانبها .
ـ نظرية الرد الشامل
شكلت حالة التوازن التي كانت قد بدأت بالتبلور في مطلع الستينات واقعاً عالمياً جديداً لم يكن قد ساد من قبل ، فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية وهي الدولة الوحيدة على المستوى الدولي التي كانت تمتلك السلاح النووي وللوسائل العلمية المتطورة القادرة على إيصال مخاطر هذه الأسلحة النووية وبفاعلية إلى أي جزء من العالم وعلى الرغم من تمكن « الاتحاد السوفيتي » من تطوير وسائله في مجال القوة النووية وبناء ترسانته الذاتية وتمكنه من إنجاز تفجير قنبلته النووية الأولى عام 1949 فإن التفوق الأمريكي على الصعيد الاستراتيجي الشامل ظل مطلقاً طيلة النصف الأول من الخمسينيات .. وفي العام 1957 م شهد المسرح الدولي ما يمكن وصفه ببدايات تحول جذري في الميزان النووي الاستراتيجي ، وذلك بعد أن تمكن ـ الاتحاد السوفيتي « السابق» من إطلاق أول قمر اصطناعي في التاريخ ووضعه في مدار حول الكرة الأرضية بفضل صاروخ باليستيي بعيد المدى حيث جاء إطلاق هذا القمر الاصطناعي « سبوتنيك» آنذاك بمثابة تأكيد لايقبل الجدل على امتلاك الاتحاد السوفياتي «السابق» لوسائل ايصال نووي صاروخية عابرة للقارات وهذا يعني استراتيجياً أن المواقع الاستراتيجية الامريكية النووية وغير النووية في متناول الصواريخ السوفياتية بينما الولايات المتحدة لم تكن قد تمكنت حتى ذلك الوقت من تطوير ما يماثلها « حيث كانت قواتها الاستراتيجية ما تزال تعتمد آنذاك على القاذفات الثقيلة البعيدة المدى وعلى عدد من القذائف المجنحة القديمة ذات المدى المتوسط وعلى الرغم من أن الأمريكيين حاولوا من جهتهم وللوهلة الأولى التركيز على احتفاظهم بهامش التفوق ـ الاستراتيجي الذي ميز ـ النظام العالمي ـ طيلة السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ، فإن واقع الأمر لم يكن بهذه البساطة وعلى العكس فقد كانت الضحية الأولى لقيام مرحلة التوازن الاستراتيجي النووي بين الجبارين لو ضمنياً في إطار نظرية « الرد الشامل » التي كانت قد ميزت السياسة الدفاعية الخارجية الأمريكية طيلة عهد الرئيس أيزنهاور ووزير خارجيته « جون فوستر دالاس» خلال ما عرف بفترة « الحرب الباردة » وتطورت بعد ذلك المفاهيم والنظريات الاستراتيجية لكلا الدولتين العظيمتين وهي نظرية حافظت على عملية « التوازن النووي« بينهما بصورة أدت إلى عدم وقوع حرب بين الطرفين واستمر التوازن إلى أن انقلبت الموازين بإنهيار « الاتحاد السوفياتي » عام 1991 م بصورة درماتيكية حيث أدى هذا الانهيار المدوي إلى تضخم غير مسبوق في السوق النووية السوداء شمل مواد حساسة وخطيرة للغاية ، كانت تباع نهاراً جهاراً وبصورة مباشرة يقال إن عصابات المافيا استغلت هذا الوضع غير الطبيعي وتورطت في عمليات بيع لهذه المواد لجماعات ، الأمر الذي خلق تهديداً من نوع آخر إنه التهديد النووي الإرهابي
«الإرهاب النووي»
كان أحد أخطر التحولات الأمنية الكبرى التي شهدتها مرحلة ما بعد أحداث 11سبتمبر عام2001 م هي عودة «التهديد النووي» إلى الظهور مرة أخرى في شكل أكثر تعقيداً ألا وهو «الإرهاب النووي » فلم يكن يدور في ذهن واضعي ـ الاستراتيجية النووية الامريكية ـ قبل ذلك التاريخ أن« الإرهاب النووي» يمكن أن يشكل تهديداً فعلياً ـ حيث إن واضعي ـ الاستراتيجية الأمريكية ـ قد وضعوا استراتيجيتهم على سيناريو يقوم على مواجهة استراتيجية دولة خصم كالاتحاد السوفياتي السابق وليس مجموعات انتحارية.
وفي الواقع أن أحداث 11سبتمبر وفقاً لأساطين علماء الدراسات الاستراتيجية الأمريكية أنفسهم كانت قد أدت إلى سقوط كل « النظريات الاستراتيجية العسكرية الهجومية والدفاعية ، صحيح أن الأحداث والتفجيرات التي شهدتها المدن الأمريكية إبان 11سبتمبر لم تكن بأسلحة نووية أو أسلحة دمارشامل أخرى ولكن دللت على إمكانية وصول مثل تلك الأسلحة إلى أيدي جماعات وعصابات وبالتالي مقدرتها على تنفيذ أعمال انتحارية مشابة بأسلحة الدمار الشامل ومن هنا أصبح هاجس « الإرهاب النووي » ولو مؤقتاً أحد مصادر التهديد الأكثر إلحاحاً « للأمن الدولي» وإنه قد يشكل أهم أنماط التهديد التي تواجه العديد من دول العالم في القرن الواحد والعشرين كما كانت ـ الحرب النووية في القرن الماضى .
«أبعاد مشكلة الإرهاب النووي»
كما سبق القول أن أحداث 11سبتمبر قد أحدثت انقلاباً حقيقياً في كل المفاهيم والنظريات ـ الاستراتيجية النووية وغير النووية ، حيث ساد في أوساط صنع القرار وأجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية اقتناع بإنه لم يعد من الممكن الاستمرار في التفكير في مشكلة الإرهاب النووي وفقاً للأطر التقليدية التي حكمتها طويلاً لاعتبارين هما أولاً : إن هناك عدة اعتبارات ومؤشرات قد تبلورت في الفترة الأخيرة تشير إلى أن بعض التنظيمات قد بدأت تعمل على إتجاه امتلاك قدرات تدمير شامل بينها قدرات نووية في ظل أوضاع دولية تتيح لها ذلك ومن هناك لا يمكن معها تحمل تكلفة خطأ التقدير لأن نتائجه ستكون مدمرة للحياة البشرية ..
ثانيا: إن احتمالات الاستخدام الفعلي للأسلحة النووية في هجمات انتحارية قد أصبحت متطورة أكثر من ذي قبل فقد ارتبطت التصورات التقليدية لخطورة السلاح النووي خلال المرحلة الماضية بضخامة الآثار التدميرية لها أكثر من احتمالات استخدامها فالأسلحة النووية لم تستخدم « فعلياً » سوى مرة واحدة مزدوجة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ضد اليابان عام1945 م وكان مفهوماً تماماً أن هناك قيوداً هائلة تحيط بإمكان حدوث ذلك مرة أخرى بما في ذلك الاستخدامات الانتحارية لها ولكن أحداث 11سبتمبر قد أظهرت ـ كما يشير إلى ذلك د.. محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية « فكما أن اختراع الصواريخ البالستية في الخمسينيات هو الذي جعل القنبلة الذرية « سلاحاً مطلقا» ومرعباً فإن اقتران أعمال الأنتحار بانتحار جماعي للعناصر قد جعل استخدام أساليب التدمير الشامل من جانب مثل هذه العناصر غير مستبعد أيضاً وفي الواقع إن مثل هذه العمليات الانتحارية لا تنفع معها استراتيجية ولا يمكن في أغلب الأحيان اكتشاف أمرها إلا بعد حدوثها وفوات الأوان ..
«مسؤولية المحافظة على السلام الدولي »
إن مسؤولية المحافظة على السلام الدولي والاستقرار في العالم هي مسؤولية جماعية ينبغي على المجتمع الدولي متجسداً في الأمم المتحدة أن يضطلع بها وأن لا يترك الأمر لدولة واحدة مهما كانت قوتها أن تمارس مثل هذه المهمة الجوهرية والحساسة ومن الواضح أن التحديات الأمنية تلعب دوراً مهماً في عملية « الإرهاب النووي » المحتمل وإذا ما أراد المجتمع الدولي حقيقة وضع حلول عقلانية ومناسبة لمشكلة الإرهاب بمختلف صوره وأشكاله فعليه أن يساهم جدياً في إيجاد تسويات عادلة ونهائية لمختلف النزاعات الإقليمية وخاصة تلك النزاعات المزمنة في منطقة الشرق الأوسط ، وعندئذ فإن البواعث الأمنية لامتلاك أسلحة نووية ستصبح لا معنى لها ..
ومادامت هناك عديد من الشعوب التي تستشعر ظلماً وقهراً ولايأبه المجتمع الدولي لحقوقها الضائعة فإن بحثها المتواصل وراء امتلاك أسلحة نووية لن تقف أمامه أية تحديات علمية أو تقنية أو سياسية ، فالإرهاب ومظاهره المختلفة لا يمكن القضاء عليه إلا بالعدل وبناء العلاقات بين الشعوب والأمم على مبدأ المساواة والاحترام المتبادل وعلى جميع الدول بما فيها الدول الكبرى أن تحترم إرادة المجتمع الدولي والشرعية الدولية حتى تنعم البشرية بالسلم والأمن الدوليين .
د / أبو العلاء عبدالمنعم الزوي
|
|
| آخر تحديث ( 27/06/2009 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|
| الــرئــيــسـيـة |
| أخبــــــــــــار |
| زوايـا رئيسيـة |
| أبحــاث و دراسـات |
| مـقـــالات |
| قضايا و تحليلات |
| محليـات |
| ثقافـة و فنـون وآداب |
| رياضـة وفروسية وعروض |
| صفحات اسبوعية |
| كتاب الزحف الأخضر |