الـعــدد 5789
الــرئــيــسـيـة arrow قضايا و تحليلات arrow القيم الأخلاقية والليبرالية الجديدة
القيم الأخلاقية والليبرالية الجديدة طباعة ارسال لصديق
منذ القدم وحتى اليوم، شكل مفهوم « القيم الأخلاقية» في الأدبيات الإنسانية ، موضوعا للتحرى والتحليل ، والغرض من وراء ذلك ، كشف أبعاد القيم وتأثيراتها المتباينة  في الحياة الاجتماعية والأنماط السلوكية ، لدى الأفراد والتنظيمات ومن هنا، يصبح من المهم إدراك نسق القيم المهيمن في المجتمع ، بوصفه مدخلا علميا وواقعيا للبحث في العلاقات البيئية ، بين مختلف الأنماط السلوكية ومصير البشرية . وبما أن القيم تشكل عنصرا مهما ، في بنية الثقافة والمجتمع الإنساني، فهي بذلك تؤطر السلوك الفردي والجماعي على حد سواء .
وكما هو منتظر ، سيجد الباحثون هنا ، حقلا خصبا للخلافات، الذي ليس من السهل إيجاد نقاط مرجعية فيه . ذلك لأن العملية التنموية التي تطمح لها البشرية لم تبلغ بعد درجة التوافق ، بين الأنماط السلوكية الاجتماعية والقيم الإنسانية . ناهيك ، عن تعاضد الأدوار ، بين مختلف المؤسسات والهيئات الوطنية ، الإقليمية والدولية، في سياق حركية تطورية عالمية. ذلك أنه ما أن فتئ شبح« الكليانية السوفيتية» يخفت ، بعد انهيار جدار برلين سنة1989، حتى طفت إلى السطح مسألة « الاستبداد الليبرالية» ومنذ ذلك الحين ، فهي تشتد وتتحول إلى قضية واخزة . لقد تشابك تطوران سريعان في سيرورة النظام العالمي الجديد وهما :
ـ تشكيل نواة « حاكمية ـ عالمية » متشكلة من نخب مهاجرة ، صوب المواقع الأكثر جاذبية ، من « العاصمة ـ المركز » الجديدة، لتقديم خدماتها المتسرعة وأحيانا ، دون أن تتلقى دعوة إلى ذلك. ـ نسج روابط أكثر فأكثر قسرا ، بالنسبة للمراكز القديمة ، التي صارت هامشية أو تابعة مثل : روسيا أو أوروبا .
هاتان الحركتان المرتبتطان، تحولان في العمق، نسيج« العالم الحر» الذي صارت تخترقه نظم تجنيد، انضباط ، رقابة وقهر. والتي وإن لم تتميز بالعنف الظاهري نفسه للشرطة السياسية، فهي على الأقل ، ذات فاعلية مرعبة ، وأكثر خفية من ذلك ، فإن «المخبرين» الجدد الذين ترمى بهم العلوم العسكرية الأمريكية ، لتصوير السراديب أو المحللين الحراريين القادرين على توجيه قاذفات القنابل ، نحو أدنى مجموعة مقاومة ليلية، قنوات المستشاريين ، التأثير وتنسيق الاجتماعات والتنظيم المبسوطة أمام «الحكم العالمى» ، لها واقع أكثر فأكثر ، فتكا ، وبالحصول على المساهمات ، من أجل الرقابة أو بالتشجيع ، على تقبل الوصفات التي يقدمها الخبراء الكبار ، فقد صارت قطاعات اقتصادية، إدارية أو سياسية عديدة ، من مناطق الإمبراطورية ، مربوطة بمناصب القيادة الكونية.
هكذا ، تشحذ « السلطة ـ العالم» ، في نوع من السكون وفي غفلة من الفرقعات الاشهارية لوسائل الإعلام ، بناءها المتعاظم! كما تبرز الانحرافات الخطيرة للقوى التي تشاركها ، وهى تترك بناءها العظيم يتحول إلى صورة حزينة لمحشر بشرى تسوده ظواهر التسيير التقنى ؟
وسنتناول هنا ثلاث نقاط مرتبطة جيدا وتبرز رهانات المستقبل .
ـ أولا : الميل نحو التكور والالتفاف على الذات ، للأفعال العدوانية أو المهيمنة الموجهة قديما ، نحو المحيط ومن المفارقة العجيبة ، إن الحدود الجغرافية القديمة للبغض بين العالم «الأول» و العالم « الرابع » ، بدأت تذوب في سيرورة تتقابل فيها الثروة والبؤس، في كل مكان داخل كل فضاء جهوى أو محلى ، ممتص في منطق السوق المتطرف .
 ـ ثانيا: يفرض ميل التحرر تشكل المثل والقيم المهيمنة ، التي تميل إلى أن تتحول إلى منطوقات أكثر قهرا خاصة نتيجة دفعها من القمة إلى القاعدة ، وهي ترتد من القاعدة إلى القمة ناسجة بذلك هالة من الصدى المتعاضدة إلى درجة أنه لايمكن لأي واحد أن يعارضها بمنطوقات نقدية أو بديلة يمكن سماعها .لكن ، بتعميمها بهذه الصورة ( خاصة عبر تقنيات الإعداد الاستبدادي ) ، فإن الأيديولوجية العالمية« الوحيدة» تقترب من حدود غير مسبوقة حدود اللاإنسانى .
ـ ثالثا: والغريب في كل هذا أن حضور اللاإنسانى ، في مفهوم الإنسانية« الشاملة» ذاته هنا يكمن في المستقبل الوهم الذي محتواه واقعى جدا ( ذلك أنه يمكنها أن تدفع بــ« المجتمع العالم» ، خارج حدود الجنون) .
وضمن هذا المسعى ، يمكن معالجة العناوين التالية :
1. الأخلاق : جوهرها ومكانتها في الحياة الاجتماعية .
الأخلاق هي : مجموعة القواعد السلوكية للأفراد ، في المجتمع » وهي التي تميز مفهومهم ، عن « العدل » واللاعدل»، الخير والشر، الشرف والإهانة ، إلخ وعلى خلاف القواعد القانونية ، فإن القواعد الأخلاقية ليست مدونة ، لكنها مدعومة بقوة الرأي العام، التقاليد ، الأعراف ، التربية وقوة المشاعر الباطنية للأفراد ، فهى بهذا المعنى ، تحدد اتجاه الناس نحو : المجتمع ، الشعوب ، البلدان ، العائلة والبشر الآخرين ، ظهرت الأخلاق ، في الوقت نفسه، مع بداية المجتمع الإنساني .
ذلك أن المجتمع يتطلب من أفراده بعض الشروط ، التي تترجم في القواعد الأخلاقية . هذه الأخيرة ، تتطور مع المجتمع ، تحت تأثير التغيرات المحلية ، الوطنية والدولية ، في الاقتصاد، السياسة وخاصة علاقات الإنتاج، وهى بهذا المعنى ، تبرز مع التناقضات الطبقية التي تعبر عن المصالح الطبقية . ففي المجتمعات البرجوازية ، توجد أخلاق المستغلين وأخلاق المستغلين البرجوازيين أو الرأسماليين( اقتصاد السوق ) وبوصفها عنصرا من البنية الفوقية ، تمارس الأخلاق تأثيرا في كل الجوانب الحياتية والمجتمعية. وبفضل العلاقات التي تخلقها بين الناس ، العمل والملكية ، فهى تؤثر في النشاط الاقتصادى .
كما للأخلاق علاقة قوية بالسياسة : كل فعل سياسي للدولة، يؤدي إلى حكم أخلاقي ، في شكل استحسان أو استهجان ، من قبل أفراد المجتمع . إذ من الطبيعى ، أن الاستحسان الأخلاقي لفعل سياسي أو آخر من طرف الجماهير يشكل عاملا حاسما في ديمومته ونجاحه . وعليه ، فنجاح السياسة أو فشلها يجد تفسيره ، في جزء كبير منه ، في درجة الدعم الأخلاقي التي يحظى به لدى شعوب العالم وكل الإنسانية . وفي أيامنا هذه نلاحظ وجود نموذجين اثنين متعارضين من الأخلاق : الأخلاق الرأسمالية والأخلاق الإنسانية، ماهو جوهر كل منهما ؟ وماهى المهمات الاجتماعية المنوطة بكل منهما ؟
أولاً : الأخلاق الرأسمالية : ـ
تلعب الأخلاق الرأسمالية دورا نفعيا ( احتكاريا)، في تطور المجتمع . ومهمتها الاجتماعية الأساسية هي : الدفاع وتغليب المصلحة الخاصة( الاستغلال) التي هي قاعدة الرأسمالية المتجددة ، في ثوب العولمة الاقتصادية . ذلك أن الرأسمالية تتحدد عن طريق المصلحة الخاصة ، فهى التي تفرق بين الناس وتحولهم إلى أعداء متنافسين أو متصارعين ، من أجل أقدس مقدسات الرأسمال وهي الربح لذلك ففي سعيهم الحثيث نحو الربح ، فإن الرأسماليين ( أفراد ومؤسسات) يدوسون على كل القيم الإنسانية، فمصير الناس الذين يوجدون في محيطهم ، بلدهم أو المجتمع الإنسانى برمته ، لايعنيهم مطلقا ، إنهم يضعون مصالحهم الأنانية ، فوق كل اعتبار.
الفردانية المطلقة ، هذا هو المبدأ الأساسي ،للأخلاق الرأسمالية . فــ « فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان» أو « كل لمصلحته والدين للجميع» وهذه هي القواعد التي تنبنى عليها الأخلاق الرأسمالية ومن ثم النظام الاقتصادي العالمي، الجديد أو المتجدد . فليس هناك من أسس أخرى ، في مجتمع تسود فيه الملكية الخاصة والنموذج الأقصى للأخلاق هو النقود : حيث يباع ويشترى كل شيء : الحب ، الشرف ، الكرامة ، وعى الإنسان . قاعدة المجتمع الرأسمالي هي إذن ، استغلال الإنسان للإنسان، وهي التي تمثل الانتهاك الصارخ للأخلاق الإنسانية .
ويقول رجل الاقتصاد « ك بيتروف»، بهذا الصدد ، إن « الدولة ـ الأمة » ، قد تفرض رسوما على مواطنيها ، في حين أن « الإمبراطورية ـ العالم » تفرض ضرائب على« دول ـ أمم» أخرى من هنا لانتسغرب ، فرض الولايات المتحدة عملتها الدولار ، تدريجيا منذ أكثر من خمسين سنة ، على الأمم التاجرة : كل التبادلات للسلع وللمنافع ، تتم بواسطة الدولار ، وهكذا، تتصرف الولايات المتحدة ، كصيرفي مركزي للعالم . وبما أن هناك تضخم محتوم وتخفيض ، للدولار المتداول ، فإن الحصة الممكنة مستقبلا تستردها الولايات المتحدة ، في مقابل كمية مخفضة ، من المنافع : وهو مايمكن تسميته منذ أكثر من نصف قرن ، بـ« الرسم الإمبراطوري الأمريكي» .
 بهذا الشأن ، قد نتساءل: هل إن « الليبرالية الإمبراطورية» الحالية ، بعيدة جدا ، عن السلطات البائدة ، التي حاولت التحكم في الإنسانية وفي أحلامها ؟ هل بإمكان الفردانية و الأنانية بمفردها ، أن تحكما وتسيرا اقتصاد السوق ؟ أو هل « إن الاقتصاد علم دقيق؟ بالإضافة إلى تساؤلات عديدة أخرى ، بشأن : الرشوة، الربا، السرقة والتحايل. وإذا لم تكن هناك محاولة لدفع النظام العالمي إلى التفاوض ، فقد يتحول إلى طغيان . وإذا لم نحاول إجباره على التمدن أو تهذيبه ، فإن نزوة السلطة والافتتان بالكليانية الممركزة، التي تنبض فيه ، ستجعل منه آلة تطحن كل آدمى ، مثلما كان ذلك ، في كل وقت ، ويمكننا هنا الإشارة إلى ماتتميز به الآلة الإمبراطورية المتجددة ، في ثوب العولمة ، من معالم قيمة عديدة( آثار) لعل أهمها :
ü الضغط على المرؤوسين ( الاستغلال)
ü تعليم الفوارق الاجتماعية وسراب الافتراضية النقدية ( اللامساواة)
 ü المقاولة ، مركز سلطة سياسية (التكنوقراطية)
الثلاثاء, 25 صفر 1377 و.ر الموافق 9 النوار 2010 مسيحي الـعــدد 5768
تعليقات
أضف جديد بحث
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 
تأكيد رقم الكود الأمني الرجاء إدخال الأرقام الموجود علي الصوره.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
< السابق   التالى >