الـعــدد 5789
الــرئــيــسـيـة arrow مـقـــالات arrow تاريخنا المليء بالمغالطات الفادحة
تاريخنا المليء بالمغالطات الفادحة طباعة ارسال لصديق
هنالك قضية في منتهى الأهمية التاريخية، ولكنها كُتبت بمكر، وتكررت كثيرا ومرت فتأكدت بالتكرار، وبمرور الزمن ترسخت وأصبحت حقيقة تاريخية ، وهي أن اليهودية جنس بشري منفصل وليست ديانة، وإنهم كانوا على مر العصور شعباً بمكونات مكتملة ، حتى أنهم خرجوا من مصر وعددهم قرابة المليونين ! ولكن لنفكك طلسم هذه الأكذوبة التاريخية ، ونذهب إلى مصادر اليهود المقدسة نفسها لنجيب على السؤال : هل اليهودية شعب أم ديانة ؟ وكم كان عددهم وقت الخروج ؟ وهل فلسطين أرضهم الموعودة ؟ ولنبدأ بلمحة تاريخية على كتب الديانة اليهودية والمسماة التوراة وهى أحد مصادر هذا البحث، وهى العقيدة التاريخية والدينية التي يتحركون حولها على مر العصور. تبدأ القصة حين أتى إخوة نبي الله يوسف أولاد ( يعقوب )- عليهما السلام - إلى مصر ، وأقاموا فيها ومكثوا وعاشوا ، وازداد عددهم وكانت لهم ميزات وغنى وتجارة ، وبقي حالهم على هذا الشكل إلى أن تبدلت الأمور، حيث مات الملك الذي احتضن يوسف وأهله ، وتوفي يوسف - عليه السلام - نفسه ، فتعرضوا لاضطهاد كبير ، فبعث الله   نبيه موسى - عليه السلام - وحدثت القصة المذكورة في القرآن الكريم ، وحدث خروج نبي إسرائيل وغرق فرعون وآله أجمعين ، وبعد خروج اليهود من مصر، بقي رسول الله (موسى) يتعبد ويناجى ربه ، حيث نزلت عليه الألواح المقدسة ، وذلك الكتاب الذي أنزل على موسى - عليه السلام - هو التوراة، و كلمة توراة بالعبرية تعنى ( شريعة )، ورغم أن التوراة كتاب واحد إلا أن ما هو موجود منه الآن هما نوعان مختلفان في مكان نزولهما، وتزايد عدد الكتب المنسوبة لليهود حتى بلغ عدد كبير من الكتب مايربو على ال37 كتاباً، فهنالك التوراة السينائية نسبة إلى شبه جزيرة سيناء حيث جبل الطور ويعرف هذا الجبل في التوراة وعند اليهود بجبل الله (حوريب)، حيث نزلت أولى كلمات السماء على موسى - عليه السلام - وهنالك التوراة الموآبية ويقول أنصارها إنها نزلت في ( ارض موآب ) وهي بمحاذاة صحراء النقب الفلسطينية ، وانقسم اليهود إلى 12 سبطا ( قبيلة أو فخذ ) ولكن ضمن مجموعتين يمثلان تكتلين أو قسمين وهما: العبرانيون ( وهم أبناء يهوذا وبنيامين أولاد يعقوب ) - عليه السلام- ،وهؤلاء معقل اليهودية ، ويحجون إلى جبل بالقرب من القدس ، كما تقول التوراة . والسامريون ( وهم أبناء رأوبين / شمعون / جاد / يسّاكر/ زبولون / افرايم ومنسى والاخيرا من أبناء سيدنا يوسف/ دان / أشير / ونفتالى ) أبناء يعقوب - عليه السلام - فالمجموع 10 أسباط ، وكانوا يحجون إلى جبل ( جرزيم) بنابلس ، والمصدر هنا التوراة نفسها ، والغريب أن الحج الأساس والأولى حسب الشريعة اليهودية كان على خطى إبراهيم الخليل - عليه السلام - ، الذي وصى أبناءه بمن فيهم يعقوب وإسماعيل - عليهم السلام - بأن يكونوا متمسكين بدين الإسلام بما فيه الحج إلى الكعبة ، قال - تعالى - : ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابنيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مُسلمون ) البقرة الآية 132 ،  ومن الآية نلاحظ أن نبي الله يعقوب - عليه السلام - هو الآخر وصى بها بنيه ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) فهذا دليل على إن يعقوب وهو أبو اليهود ومرجعيتهم كان يحج للكعبة ، كما يقول القرآن الكريم ، وأنه أخذ عهدا من أولاده على اتباع دين أبوهم إبراهيم عليه السلام ، بنص الآية القرآنية : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مُسلمون ) البقرة 133 ، فكيف تبدل الأمر وأصبحت اليهودية ديانة خاصة لليهود ؟ وكيف أصبحوا يحجون إلى أماكن أخرى وبنص التوراة ، والقرآن يقول : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) آل عمران الآية 63 ، ويقول أيضا : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) البقرة الآية 127 ، ونعود للتوراة التي هي خمسة كتب رئيسة في التوراة العبرانية وهى الأسفار الخمسة ( 5 أسفار ) وهي ( التكوين والخروج والعدد والتثنية والقضاة ) ، واشتملت التوراة على :
الشريعة من سفر التكوين إلى سفر التثنية ثم أخبار بقية الأنبياء من سفر يشوع أو يسوع إلى سفر الملوك الأول و الثاني وسفر أشعيا وإرميا والباقي / المزامير وأخبار الأمم / وسفر دانيال وسفر الأمثال ،، إلخ وباختصار شديد تقول التوراة : حين خرج اليهود من مصر حدثت أحداث مهمة منها : عبور البحر وغرق فرعون وجنوده ، نزول المن والسلوى في الصحراء ، هزيمة العماليق وانتصار بني إسرائيل ، نزول الوصايا العشر في جبل حوريب ( التوراة ) على نبي الله موسى - عليه السلام -استكشاف أرض كنعان للسيطرة عليها ، ثم التوهان في منطقة قادش ( وهى المنطقة الصغيرة بين غزة وسيناء ) الآن ، وبعدها التفرغ لمقاتلة الفلسطينيين وباقي الأمم ، ثم موت هارون -عليه السلام- في جبل هور ، والذهاب إلى منطقة آدوم ( في صحراء النقب الفلسطينية ) ، وأخيرا وفاة نبي الله موسى عليه السلام ( بجبل نبو ) قبل أن يدخل الأرض الموعودة ( أي أن الأرض الموعودة في التوراة وحسب نصوصهم أنفسهم كانت قطعة أرض صغيرة بالقرب من جبل فلسطيني بمحاذاة القدس ) وإن صح ذلك فإن هذه المساحة الصغيرة لا تستطيع استيعاب ذلك العدد الكبير المذكور في التوراة ، ثم إن المنطقة كانت تعج بأهلها من المديانيين والموآبيين والحيثيين والاموريين والفلسطينيين ، والعمونيين ، وهنا نلاحظ أن تسمية العاصمة الأردنية ( عمان ) يعود إلى العمونيين ، والصيدونيين ، والأوريون، والقينيين والقنزيين والقدمونيين ، والفرزيين والرفائيين ، والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين ، وهذا من نصوص التوراة نفسها ، وهى أقوام قديمة وأصيلة موجودة في تلك الأراضي منذ القدم ، ما يعني أن تلك الأرض كانت لشعب موجود وقائم، وإن اليهودية كانت دين توحيد وليست عقيدة خاصة لمجموعة من البشر، وبالتالي فالله حين وعد اليهود بدخول الأرض المقدسة لم يكن وعدا بالسيطرة على الأرض ولكن وعد بانتصار رسالة التوحيد وعقيدة الله الواحد، فالدين اليهودي يدعو إلى إله واحد ، وهو استمرار لشرائع السماء السابقة، وهو نفس دين إبراهيم - عليه السلام - ودين نوح وباقي الرسل - عليهم السلام - وقلت في بحث سابق إن اليهودية كانت دينا لكل الناس ، فقد دعا موسى المصريين وفرعون ، قال - تعالى - : ( وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ) الأعراف الآية 104 ، وقال أيضا : ( ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين ) يونس الآية 75 ، وقال الله في كتابه العزيز : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هُدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ...) الآية 44 سورة المائدة ، واليهود كانوا يقاتلون مع أنبيائهم في سبيل الله وهو نشر ديانة التوحيد ، قال - تعالى - : ( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم أبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ... ) الآية 246 سورة البقرة . فالقتال في سبيل الله هو جهاد لنشر الحق ودين الله، ثم إن ملكة سبأ حين دعاها نبي الله سليمان لدين التوحيد قالت : ( ... قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) الآية 44 سورة النمل ، فلو كان الدين اليهودي المزعوم لليهود فقط ما دعا موسى - عليه السلام - فرعون وملأه للإيمان بالله الواحد ، وما قاتل الإسرائيليون في سبيل الله ، وما دعا سليمان - عليه السلام - ملكة سبأ وقومها لوحدانية الله . فالتوراة الأصلية كانت دين توحيد ، وكان وعد دخول الأراضي المقدسة هو وعد نصرة للمؤمنين ، فالله ينصر المؤمنين دائما ، قال - تعالى - في محكم كتابه : ( ... ولينصُرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) الآية 40 سورة الحج ، وقال أيضا : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) الآية 7 سورة (محمد) - صلى الله عليه وسلم ، فوعد الله بنصرة المؤمنين وعد دائم وثابت لا يتغير ،ولا يتعلق باحتلال الأراضي وتشريد الشعوب ، بل يتعلق بوعد لنصرة كلمة التوحيد ونبذ عبادة الأوثان والشرك والأصنام والأفراد ، لكن اليهود غيروه إلى وعد مزيف بأرض واحتلال استيطاني دائم وقمع وقتل للشعب الفلسطيني على مر التاريخ ، وحتى يتحقق لهم ذلك لابد من الزعم بأنهم شعب مكتمل المقومات ، وأنهم حين خروجهم من مصر كانو 635 ألف نسمة من الرجال فوق العشرين، وهذا يعنى أنهم ضعفا هذا العدد مجتمعين من الأطفال والنساء والشيوخ ، بما لا يقل عن مليون وثمانمائة ألف نسمة ، وهذا العدد إذا ما أُخضع للمنطق الرقمي ، فإنه غير قابل للتصديق ، لأن نسبة التكاثر والزيادة في عدد بني يعقوب والزمن الذي قضوه في مصر لا يتناسب مع الرقم الكبير المذكور في التوراة، وهذا يتناقض حتى مع بعض نصوص التوراة نفسها ، فالقرآن الكريم يقول عن بني إسرائيل إنهم كانوا قلة حين كان موسى - عليه السلام - يجاهد في نشر دعوة التوحيد ، ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيه أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ) يونس الآية 83 ، ولأنهم كانوا قليلين فقد وصفهم فرعون كما يقول القرآن بأنهم شرذمة قليلة ( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) الشعراء الآية 54 فالقرآن يقول بأنهم قليلون ، فلو كان عدد اليهود كما تقول النصوص التوراتية كبيرا لذكرهم القرآن ، لكنهم إطلاقا لم يصلوا لذلك العدد ، ولأنها قضية جوهرية ومهمة في الصراع العربي الإسرائيلي فإن القصة التاريخية تبدأ من التوراة التي تقول : إن عدد اليهود الذين جاؤوا إلى مصر في البداية كانوا سبعين نفسا ، ففي سفر الخروج الإصحاح الأول العدد الخامس نقرأ :
( و كانت جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسا و لكن يوسف كان في مصر ) أي أن كل عائلة يعقوب - عليه السلام - كانوا سبعين فردا ، ثم تستطرد التوراة أعداد بني إسرائيل وتذكر حالة وفاة يوسف عليه السلام ، ففي سفر الخروج الإصحاح الأول العدد السادس : ( ومات يوسف و كل أخوته وجميع ذلك الجيل ) وهى تتحدث عن الفترة التي أعقبت وفاة يوسف وكل إخوته أي أنها تتحدث عن قرن على أبعد تقدير ، ونتابع قراءة العدد الثامن من نفس السفر  ، ( ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف ) فبدأ اضطهاد اليهود ،   نلاحظ هنا كيف أن التوراة تتحدث عن فترة قصيرة ( فالعدد كان سبعين رجلا ، ثم تكاثر بنو إسرائيل وتوالدوا ، ولكن حين قام ملك جديد ) لم يعرف يوسف ، أي أن الفترة ليست طويلة ، ولنفترض أنها مائة سنة ، على سبيل المثال والمسايرة !! ، فكيف يصل العدد إلى مئات الألوف ؟ ، ونفس الملك ( فرعون ) أمر بأن يقتل أطفال بني إسرائيل لأنهم تكاثروا ويترك الإناث لكي يستباحوا ( هكذا جاء في سفر الخروج الإصحاح الأول العدد 22 ) تقول التوراة : ( ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا كل ابن يولد تطرحونه في النهر لكن كل بنت تستحيونها ) ، إذاً فالحديث هنا عن فترة زمنيه قصيرة لا تتجاوز المائة سنة ، وهذا أمر غير مقبول كما قلنا ، إذ كيف يُصبح أولاد يوسف - عليه السلام - وبقية إخوته وأولادهم وكل بني إسرائيل في فترة قصيرة أكثر من مليون وثمانمائة ألف نسمة ، لابد أن في الأمر فرية كبيرة ، وقد كانت ، ورغم محاولات الكذب إلا أن التوراة نفسها تعود لتعطى لمحة تاريخية عن أرض فلسطين وتشير إلى أنها لم تكن خالية بل فيها شعب مكون من قبائل عدة منها الكنعانيون والحيثيون والاموريون والفرزيون والحويون واليبوسيون وغيرهم ، وكما جاء في سفر الخروج الإصحاح الثالث العدد الثامن : ( فنزلت لإ نقاذهم من أيدي المصريين و أصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة إلى ارض تفيض لبنا و عسلا إلى مكان الكنعانيين والحيثيين والاموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين ) ، ورغم أننا لسنا في باب التعليق على المغالطات في التوراة نفسها ، لكن لا بأس من الإشارة إلى أنه عندما قال موسى - عليه السلام - إنه غير قادر على الرجوع لمصر لأن فيها من يطلب رأسه لأنه قتل فيها نفسا، فردت التوراة في الإصحاح الرابع العدد التاسع عشر : ( وقال الرب لموسى في مديان اذهب ارجع إلى مصر لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك ) سفر الخروج الإصحاح الرابع العدد 19، غير أن التوراة تعود في الإصحاح الحادي والعشرين أي بعد عددين فقط وتتحدث عن فرعون رغم أن التوراة قالت قبل هذا العدد بعددين فقط - أي بفقرتين - إن كل أعداء موسى ماتوا ، تقول التوراة :( وقال الرب لموسى عندما تذهب لترجع إلى مصر انظر جميع العجائب التي جعلتها في يدك و اصنعها قدام فرعون ولكني أشدد قلبه حتى لا يطلق الشعب) الإصحاح الرابع العدد الواحد والعشرون، وهذا يناقض العدد التاسع عشر الذي يخبر موسى - عليه السلام - بأن كل الذين يطلبونك قد ماتوا، ورغم العدد الكبير من اليهود الذين قالت التوراة إنهم خرجوا من مصر والمذكور عددهم وهو 635 ألف نسمة والذين أعمارهم فوق العشرين ، لكن التوراة نفسها في سفر العدد تتحدث عن عدد اليهود الذين خرجوا من مصر بشكل أقل من ذلك ، وكأن من كتب النصوص لم يكن قادراً على حبك المسألة ، ولنر سفر العدد الإصحاح الأول العدد 16 فبعد أن ذكرت أسماء خمسة عشر رجلا قالت : ( هؤلاء هم مشاهير الجماعة رؤساء أسباط ابائهم رؤوس ألوف إسرائيل ) وهى تتحدث عن عدد خمسة عشر رئيسا من رؤساء المجموعات اليهودية وقد ذكرتهم التوراة بالاسم. والتوراة هنا تتحدث عن رؤساء ألوف - أي رؤساء مجموعات مكونة من ألف شخص - أي أن كل اسم يمثل ألف نسمة ، بمجموع 15 ألف نسمه ، وهذا الإصحاح الأول العدد 16 من سفر العدد يوضح ذلك ، ثم تعود التوراة إلى القول بأن أولاد يوسف فقط هم أربعون ألفا وخمس مئة نسمة ، وهؤلاء من الرجال ما فوق العشرين سنة.. ففي الإصحاح الأول العدد 32 و33 من سفر العدد نقرأ : ( بنو يوسف بنو افرايم تواليدهم حسب عشائرهم و بيوت ابائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدا كل خارج للحرب ) ، ( المعدودون منهم لسبط افرايم أربعون ألفا وخمس مئة ) ، والسؤال هو كم يتطلب من الوقت أن يصبح زوجان اثنان بعدد أربعين ألفا من الرجال ما فوق العشرين. بالإضافة إلى النساء والأطفال والشيوخ ، فلو قلنا إن نبي الله يوسف تزوج أكثر من امرأتين أو ثلاث أو حتى أربع ، فمتى سيكون نسله مائة ألف ( بمن فيهم الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ) ؟ بالمتوالية الحسابية فإن الأمر يتطلب على أقل تقدير عدة آلاف من السنين ، وهو أمر مستبعد لأن التوراة نفسها تقول إن فترة مكوث إخوة يوسف في مصر كان أقل من مائتي عام ، وفى سفر العدد الإصحاح الأول العدد 45 والعدد 46 يقول: إن مجموع بني إسرائيل كان من الرجال فوق العشرين هو 635 ألف نسمه ويضاف إليهم الضعف من العجزة والنساء والأطفال أي في حدود المليون وثمانمائة ألف نسمة ، وهو عدد خيالي غير صحيح بالمرة ، ولنقرأ للتأكيد العددين 45 و 46 بالنص : (فكان جميع المعدودين من بني إسرائيل حسب بيوت ابائهم من ابن عشرين سنة فصاعدا كل خارج للحرب في إسرائيل )45 ، ( كان جميع المعدودين ست مئة ألف وثلاثة آلاف وخمس مئة وخمسين ) 46 ، خرجوا من مصر على يد نبي الله موسى - عليه السلام - والحقيقة هذا أمر غير منطقي إطلاقا لعدة أسباب ، فالمنطق يقول إن إخوة سيدنا يوسف - عليه السلام - حين جاؤوا إلى مصر كانوا أسرة مكونة من الأب والأم والأخوة الأحد عشر ويوسف - عليه وعلى يعقوب السلام -، ولنتتبع القصص القرآني وماذا يخبرنا الله به ، ففي سورة يوسف قال - تعالى - : (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً واتوني بأهلكم أجمعين ) يوسف الآية 93 ، أي أن الحديث عن أهل يوسف (أسرته) وليس عن شعب أو قبيلة ذات عدد كبير ، قال - تعالى -: ( فلما دخلوا على يوسف اوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) يوسف الآية 99 ، أي أنهم مجموعة صغيرة ( دخلوا عليه ) دلالة على أن عددهم محدود ويمكن حشره في مكان واحد ، أي أن القص القرآني يوضح أن من جاء بهم يوسف - عليه السلام - كانوا قلة ، فكيف يصبحون خلال عدة مئات من السنين 600 ألف نسمة ؟ ، والتوراة نفسها تقول إن عدد اليهود في وجود يوسف كانوا 70 فردا ، أطفال ورجال ونساء وإخوته وأبواه وأمهات إخوته ، فكيف أصبحوا 600 ألف نسمة ، والجواب لأن اليهود يريدون أن يقولوا إن عددهم حين خرجوا من مصر كان كبيرا وهم شعب وبالتالي فإن وجودهم في فلسطين ليس عارضا بل أصيل ، وهم شعب له جذور وله أرض وتاريخ ، وهذا قمة التزييف والمغالطة التاريخية .والسؤال المحير الآخر هو : كيف اتخذ اليهود القدس مركزا لاهتمامهم الديني ؟ وعلى أي حجة ؟ خصوصا وأن أنبياءهم الأولين - عليهم جميعا السلام - وهم إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب يوصون باتباع الملة الواحدة وهي توحيد الخالق ، وإبراهيم - عليه السلام - بنى بيت الله ( الكعبة المشرفة ) والحج كان فيها والطواف والركوع ، قال - تعالى - : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) سورة الحج الآية 26 ، فكيف يأتي نبي عظيم بحجم موسى - عليه السلام - ولا يُشير إلى بيت الله صراحة وإلى الكعبة باعتبارها بيت الله ومكان الحج ، قال - تعالى - : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) البقرة الآية 125، ثم إن نبي الله شعيبا عندما أراد أن يُزوج إحجى أبنتيه إلى رسول الله (موسى )عليهما السلام - طلب منه أن يأجره ( أن يعمل لديه ) ثماني حجج أي أن الناس كانت تؤرخ بمواقيت الحج ، قال - تعالى - : ( قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ) القصص الآية 27 ، فأين كانت الناس تحج إذا لم تكن إلى الكعبة ، ولم يكن هنالك مكان مقدس في ذلك الوقت إلا في الكعبة ؟ حتى القبلة كانت غير محددة فاليهود كانوا يصلون في أي اتجاه ، واتخذوا بيوتهم قبلة ، قال - تعالى - : (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة وبشر المؤمنين ) يونس الآية 87 ، الجواب القاطع هو أن كل أتباع الديانة التوحيدية وهم أتباع إبراهيم ( الحنفاء ) وأتباع أبنائه إسماعيل وإسحاق ويعقوب وابن أخيه لوط وشعيب وأتباع نوح وبقية الرسل عليهم جميعا السلام كانوا يعرفون الكعبة وكانوا يحجون إليها ، لكن اليهود أفسدوا الحقيقة وتلاعبوا بها ، حسدا وغيرة وكراهية للإسلام ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ) البقرة الآية 109 ، لذلك فالحسد أعمى بصيرتهم وجعلهم يمكرون ويتآمرون ويُفسدون الدين والتاريخ ، فحين أرادوا إنشاء وطن خاص بهم حرفوا التوراة وزوروا التاريخ، وبدلوا كلام الله ، وهي مؤامرة قديمة ، فهم لم يفكروا في فلسطين بالأمس القريب، بل منذ أن نزل وحي السماء على رجل عظيم من قوم العرب وهو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدلوا القول غير الذي قيل ، فقالوا بأنهم خرجوا من مصر بمئات الآلاف ، فقط من الرجال فوق العشرين 635 ألف نسمة، وإن الله وعدهم بأرض الفلسطينيين، وإن فلسطين هي أرض الميعاد، بل إن الوعد امتد ليشمل المنطقة بين النيل والفرات، ولنقرأ نص الوعد في سفر التكوين الإصحاح الخامس عشر العدد 18: ( في ذلك اليــوم قــــطع الرب مع إبـــرام ( إبراهيم ) ميثاقا قائلا أعط لنسلك هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات )، وتكرر الوعد مع إسحاق ويعقوب ، وتذهب التوراة بعيدا في الوعود ففي سفر التكوين نقرأ الأعداد من 14 إلى 17 من الإصحاح الثالث عشر: ( قال الرب لإبرام بعد اعتزال لوط عنه ارفع عينيك و انظر من الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها لك ولنسلك إلى الأبد ، واجعل نسلك كتراب الأرض حتى إذا استطاع احد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضا يعد، قم امش في الأرض طولها و عرضها لأني لك أعطيها) فلماذا لا يطالب اليهود بالكرة الأرضية كلها تنفيذا لهذا الوعد ؟! ، بدلا من البقاء في منطقة مزدحمة وموبوءة بسفك الدماء ، ومكتظة بالسكان القادرين على الموت دفاعا عن حقوقهم المشروعة ؟ وأخيرا إذا كان الله - سبحانه وتعالى - قد وعدهم بالقدس فلماذا قال القرآن أول بيت وضع للناس ولم يقل أول هيكل؟ ثم لماذا لم يتحقق الوعد في وجود موسى - عليه السلام -؟ باختصار شديد لأنه لم يكن وعدا بالأرض بل بالنصرة على الكفرة كما نصرهم على فرعون، لكن الصهيونية العالمية واليهودية السياسية استغلت المخزون الديني لبسطاء اليهود لتضليلهم وجرهم لفخ مميت ويتعارض حتى مع مبادئ التوراة نفسها، لقد ارتكب اليهود تسفيها لكتاب التوراة حين شردوا شعبا وقتلوا أنفسا وهي من محرمات التوراة .
 
 
                                                                                                                                                     د / بلقاسـم صميـدة
الثلاثاء, 25 صفر 1377 و.ر الموافق 9 النوار 2010 مسيحي الـعــدد 5768
تعليقات
أضف جديد بحث
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 
تأكيد رقم الكود الأمني الرجاء إدخال الأرقام الموجود علي الصوره.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
< السابق   التالى >