قضايا و تحليلات
العولمة ... وأزمة الانتماء والهوية | العولمة ... وأزمة الانتماء والهوية |
|
|
|
تعارفت المجتمعات البشرية ، منذ بدأ تشكلها على ثقافة تحدد قيمها ومبادئها وسلوك أفرادها بما يضمن حياة جماعية ، لها أسس وثوابت تتخذها منطلقات تأسيسية لعلاقات سليمة وفاعلة ومنتجة.
تشير الدراسات إلى أن أنماط القيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وإن شهدت تغيراً في الشكل ، وعدم ثبات أنساقها المتبعة، فلقد حافظت على جوهر ثابت يهدف إلى صقل وتقويم أشكال العلاقات بين المجموعة الواحدة ، من وبين أية مجموعة و المجموعات المتقاربة والمتباعدة، من جهة ثانية ، وذلك وفق ما تفرضه طبيعة المصالح المشتركة ، وحتمية التواصل والتعارف والتقدم الحضاري ، بما لا يتناقض ومبدأ الحق في حرية التعبير والتعليم والمعتقد، فكانت الثقافة تكريساً لقيم أخلاقية تعزز كرامة الإنسان وتصون حقه في حياة حرة كريمة ، تؤمن له توازنات اجتماعية وحرية تعبيرية ، وسلوكيةإنسانية ورقيا فكرياً وسموا روحياً.إذا تمسك الإنسان العربي بأصالته فالمشكلة ليست في طبيعة القيم ، بل في الأفراد الذين يحرصون على تجميدها وتضمينها في نماذج بالية غير قابلة للتغيير والتطور ، فخسرت هذه القيم مواقعها في مستويات الحراك الثقافي الكوني ، ما سمح بتسلل قيم دخيلة هشة بحجة عولمة فرضت حالة من الاغتراب والتغريب ، أي تغريب عن الأصالة ، واغتراب عن جوهر مفهوم الثقافة الكونية السائدة ، لأن ما تطرحه العولمة من قيم وما تستورده من علوم ومعارف ومفاهيم حضارية لا يصب في مصلحة الوعي الاجتماعي ، أو النضج القومي ، بل يمعن في إغراء الواقع العربي وإلهائه بثقافة الاستهلاك ، ومن ثم إغراقه في سلبية التبعية ، عسكريا واقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا وحضاريا ، ليتحول إلى واقع مأزوم يعيش إنسانه - كما يقول عبداللّه عبد الدائم - " في صراع مع ذاته وقيمه واتجاهاته ، ولعل مظاهر هذا الواقع المأزوم بدأت تتضح في أزمة انتماء تفضح عنكبوتية علاقة المواطن العربي بتراثه وتاريخه وحضارته ومعارفه ، وبمحيطه العربي الكلي ، وتكشف عن وجود أزمة هوية لأن " الهوية إحساس متماسك بالذات ، وهي تعتمد على قيم مستقرة ، وعلى قناعة بأن أعمال المرء وقيمه ذات علاقة متناغمة ، فالهوية شعور بالكلية والاندماج وبمعرفة ما هو خطأ وما هو صواب "
وهذا الشعور يسمح بالتلاقي الثقافي والحوار الحضاري ، وبتبني الإيجابيات الناتجة عنهما ، ما يساعد على إحباط محاولات الاختراق الثقافي ، وعمليات التطبيع الأخلاقي ، ومن ثم العمل على كشف القناع عن طبيعة الثقافة التي نستوردها ، وطبيعة ثقافة " الاستهلاك التي يصدرها الغرب " ما يسمح بالتحرر من منظومة القيم المتنافرة ، التي يسعى إلى ترسيخها إعلان عربي يعمل ، عن قصد أو غير قصد ، على سيطرة ثقافة تجهيل ، مقرونة بثقافة سلطوية هادفة إلى تجييش المفكرين ، وتحويلهم إلى أدوات مفرغة من روح المسؤولية ، والرؤية الموضوعية .
< العولمة وثقافة الأخلاق
تجيب المعطيات الثقافية والحضارية القيمية المتوافرة في ساحات الفعل التواصلي العالمي عن أسئلة المشككين بأهداف العولمة ونتائجها المرتقبة ، فالعولمة تفرض شروط ثقافة أخلاق أحادية ، تهيمن على معظم قطاعات الإنتاج ، لأنها قبل كل شيء ثقافة اقتصاد، هدفها الترويج لصناعة ثقافية تتوافق ومكانيزمات تبدلات السوق الاقتصادية السريعة والدائمة ، وهذا يقتضي تنميطاً للأذواق والأفكار ، وتكييفها على قبول كل الآثار الإيجابية والسلبية التي تخلفها الديناميكية الفيزيائية للعولمة .
تؤثر فيزيائية العولمة في طبيعة المجتمعات وتخلق تشابكاً في القيم الأخلاقية ، فتسعى إلى تدمير القيم الثقافية التي يحتمل أن تكون عائقا في وجه انتشارها وتمددها السريع ، لأن تدمير القيم يفتح الطريق أمام أي اجتياح ثقافي من دون مقاومة ، فتلقى الثقافة الهشة ، التي يطرحها سلاطين العولمة ، قبول سلطة الغريزة ، وقطع الصلة بالموروث الوازع ، وتعطيل سلطة العقل ، لتتحول المجتمعات البشرية إلى قطعان تقرر مصيرها قلة متحكمة وحاكمة ، فينقاد الأفراد والجماعات إلى انفعالات مادية ويستسلمون إلى إغراءات العولمة النفسية والأخلاقية ، فيتضاعف الطلب على سلعها وتتحقق خدمة مصالح الأسواق الاقتصادية الكبرى .
تشير المعطيات والدراسات إلى أن ثقافة العولمة تحاول تغيير منظومة القيم التقليدية وطرح أفكار جديدة تشكل مفاهيم مغايرة لقيم الفعل الثقافي الإنساني ، ولكن ثقافة الأخلاق الصحيحة والسليمة والفاعلة حضاريا ، لا تأتي من فراغ ، ولا تتحدد مساراتها إلا ضمن معادلات اجتماعية كيميائية تحويلية ، لها جوهر ثابت ، ومقومات ذاتية تكسبها القدرة على التفاعل مع قيم ثقافية أخرى ، وذلك في مختبرات تاريخية اجتماعية متجددة تحرض على التبادل والاقتراض والتحول والاكتساب في حقبات متتالية تؤرخ لحتمية التفاعل والتبادل الحضاري الثقافي بين المجتمعات والأمم ، لأن " التبادل هو شرط البقاء الأول لكل الثقافات الإنسانية التي لا تريد أن تسقط في القدم والجمود والتحجر ، ولكن مقاومة روح الاستسلام والتسليم التي تقود إلى قتل ملكة الإبداع والإنجاز لدى الثقافات الأضعف هي شرط تحقيق هذا التبادل المثمر ومكافحة نزعة الانمحاء الثقافي والاغتراب ونزع الشخصية " ومقاومة الاستسلام ، وإنجاح آلياتها ، مشروطان بتبني سياسة ثقافية تحافظ على خصائص الذات القومية ، وتحفز عملية التطوير ، أولا ، بما لا يتناقض وجوهر الهوية الثقافية الذاتية ، ويدحض فرضية البقاء على هامش الفاعلية التاريخية للعولمة ، ثانيا مما يؤسس لثقافة أخلاق مستقبلية لها عقيدة أصيلة ترفض تسويات ناقصة توهم بالربح في معرض الخسارة ، وتدعو إلى استنباط نظريات ثقافة متكاملة تنبثق من خضم التبادل والتفاعل المعرفي بين الشعوب ، مع المحافظة على الخصائص الذاتية للهويات المتنوعة ، لأن التوحد المعرفي الحقيقي ينبع من الشعور بتعددية متحررة من فكرة الغالب والمغلوب ، ومن عقدة السيطرة ، ومن تصورات تسيء إلى إنسانية الإنسان .
إذا حاولنا تصور شكل هندسي يجسد البنية التركيبية لثقافة الأخلاق وعقيدة المستقبل الأخلاق ، لوجدناها متجسدة في رسم هندسي متشكل من ثلاث نقاط ، هي الفرد والمجتمع والهدف ، فإذا كانت الأهداف سامية أنتجت النقاط شكلاً ثلاثي الأضلاع ، قاعدته القيم المتعارف عليها بين الأفراد في وسط اجتماعي متجانس في كليته التركيبية ، ورأسه الهدف الذي تتلاقى عنده وتتواصل به جميع الخطوط المنبثقة من علاقة الفرد بمجتمعه ، فتتباين أشكال المثلث ، ومساحاته بتباين طول الخط الموصل بين الفرد ومجتمعه ، وهذا الخط يختزل طبيعة القيم واستقامتها ، فإذا انقطع التواصل بين هذه القيم المتماسكة في خط مستقيم تعذر خلق مساحة هندسية لها أبعادها وأشكالها المثلثية ، وتستبدل المساحة ذات المميزات والخصائص والقوانين باحتمالات تشير إلى إمكانية الحصول على مستقيم أو منحن ، كل منهما يفتقر إلى تحديد مساحة تتقاطع فيها علاقات الفرد بمجتمعه ، وتعكس طبيعة تكوينه وفق المسافة الفاصلة بين طرفي القاعدة ومسارات الوصول إلى الهدف .
استنادا إلى الفرضية السابقة التي قد تحتمل القبول أو الرفض ، نستطيع القول إن ثقافة الأخلاق تنتجها علاقة الفرد بمحيطه ، وفق سلسلة لا متناهية النقاط من القيم الإنسانية المتشابكة والمنصهرة في استقامة خلقية ، لها أهداف إنسانية سامية .. كما أن النقطة متحررة من التحجيم أو الوصف الدقيق ، كذلك القيمة الأخلاقية مستعصية على الوصف الكامل والتحجيم ، ولا يمكن فصلها عن مجموعة القيم التي يتشكل من تداخل حركاتها مستقيم يؤسس القاعدة الأساس في مساحات التثليث الوجودي الاجتماعي .
ما لاشك فيه أن للحرية ثقافة أخلاقية ، وللسياسة ثقافة أخلاقية ، وكذلك الصناعة والتجارة والتربية والتعليم والفنون والإبداع والمجتمعات والاقتصاد والعلاقات الدولية وغيرها من المسارات التي تنتظم في فعل تداولي على مساحة الواقع ، لكن هذا الكيان الانتظامي معرض في كل لحظة لا هتزازات تتسبب بها شبكية معقدة من الصراعات بين مفاهيم الخير والشر ، وهذه الصراعات تتغذى يومياً من إغراءات مصالح آنية تهدف إلى إلغاء الآخر والسيطرة على حضارته وثقافته وثرواته ، ومن المؤكد أن هذا الصراع لن يتوقف ، بل المتوقع أن تطغى على الأفراد والمجتمعات والأمم نزعة مادية تدفع بها إلى التخلي عن معظم قيمها مقابل الربح المادي ، وهذا ما تلوح تباشيره في الواقع العربي الذي يشهد تسابق بعض أفراده إلى اعتناق مبادئ غريبة عن طبيعة مجتمعاتنا وذلك على حساب القيم والعادات والتقاليد الأصلية ،فيحورون في مفاهيمهم ، ويتبنون قيما ثقافية منقوصة تهدد بقطع الصلة بين الفرد ومجتمعه السليم .
يتجلى انقطاع الصلة بين الفرد وتراثه وعاداته وتقاليده في أشكال التخلي عن الثوابت الأخلاقية ، وذلك في الممارسات الخاطئة الصادرة عن انقلاب المفاهيم ، وما يرافقه من تنكر للأصالة ، وتجاهل حتمية الانتماء ، ومن ثم الشعور باغتراب نفسي يعمق الهوة بين الفرد ومفهومات ثقافة أخلاق كلية شمولية تعزز التوازن والتكامل الاجتماعيين ، بوصفها متحد من مجموعة القيم الثقافية والأخلاقية ، لكل منها مفهوم أو تصور ذاتي ؛ ولكن ليس لأي منها فاعلية ، أو وجوداً فعلياً مستقبلاً عن الآخر ، فالحرية حق من حقوق أي فرد ، والحق مشروط بالمسؤولية والمسؤولية ممارسة قوامها المساواة والعدل ...إلخ .
إن الحرية هي الشرط الرئيس في كلية القيم وشموليتها ، فلا حق ولا تعاون ولا تسامح ولا تقدم ولا عدالة من دون حرية حقيقية منبثقة من الأصالة الثقافية الأخلاقية القادرة على حماية الهوية وتحصينها ، ولكن الفهم الخاطيء للحرية وتشجيع الإعلام على مسخ أشكالها ، يبشر بثقافة أخلاق تتنافى والأسس الأصيلة للقيم والمبادىء.
لكل زمن عقيدة ثقافية أخلاقية ، تميزه وتثبت هويته الحضارية والثقافية ،والمستقبل العربي زمن ضبابي تحجبه توقعات وتكهنات لا حصر لها ، فهل سيكون استمراراً لحاضر متصدع مهزوز مفكك ؟ الجواب مرتبط بقدرة الأمة العربية على مجابهة الإغراءات التي تشجع عليها بعض وسائل الإعلام العربي ، بدعم من أفراد نبذوا القيم واستهتروا بكل ما هو أصيل .
تحتاج المجتمعات العربية إلى ثقافة أخلاق أصيلة ، تعزز سلطة العقل وتحرره من التبعية والجهوزية ، وتدعمه بمبادىء الشك العلمي ، من أجل تنشيط حركية المتحد الأخلاقي الشمولي الكلي ، بما يتوافق وحركية الحياة غير المنقطعة عن منطلقاتها الأولى ، فيدعم العقل ثقافة الأخلاق ويحصنها بقيم تحرص على مظاهر التواصل الإنساني وإجراءات تعالق نظمها ، فلا يكون العدل ما أراه عدلا ، ولا الحق ما أراه حقا بل يكون العدل بما تتوافق عليه الأعراف ونظمها الاجتماعية ، وبما ينص عليه الحق ، والحق يكون بما تقرره سيرورة الحياة وحركة التاريخ ، ونبض الحرية، فالحق كما يراه د . ناصيف نصار " شأن اجتماعي " تاريخي يظهر ويتحدد ويتطور في مجرى التغير الاجتماعي التاريخي الذي يوجد المجتمعات المختلفة والحضارات المتباينة .. الحق لا يتحدث عما هو واقع بل عما هو مسموح له بأن يقع .. وما مسموح له بأن يقع إنما هو في أعمق معانيه ، ما يخدم استمرار الموجود الحي في الحياة وما يخدم تناميه وتفتحه وارتقائه معها " فإذا استطاعت المجتمعات العربية أن تتبنى ثقافة أخلاق تنغرس في منطلقاتها ، وتقبل الوافد غير المناقض لطبيعة الثوابت ، يمكن التكهن باحتمالات فرض مسارات حضارية تاريخية تتحرك نحو مستقبل أكثر تأصيلاً ورقيا وإشراقاً من الواقع الراهن.
كلمة وسؤال
لاقت مظاهر العولمة السلبية رواجا في معظم المجتمعات العالمية ، من دون أي مقاربة واعية لإيجابياتها ، فنتج عن ذلك تصدع في بنى النظم الأخلاقية الكلية بوصفها متحداً من القيم تتمايز عناصره بالذاتية والكلية ، فلكل مفهوم خلقي قيمة ذاتية مستقلة تحدد هويته ، ولكن هذا المفهوم لا كينونة فاعلة له ، إذا غابت فاعلية ذوات المفاهيم الأخرى ، فهو ، إذا متحد تتمايز أجزاؤه وتتكامل في وحدة شمولية ، لها هوية ثقافية أخلاقية اجتماعية تتمحور ثقافة الاخلاق حول نقطة رئيسة تشكل منطلق العلاقات الانسانية الهادفة إلى تهذيب النفس البشرية وتحصينها بالمبادىء التي لا تتناقض وسلطة العقل وميول النفس كونها تهدف إلى السمو والرقي والشفافية ، بما يكسب الشعوب دوراً حضارياً له شخصية ذاتية معنوية مستقلة .
فهل ستكون عقيدة ثقافة الأخلاق العربية المستقبلية قادرة على بلوغ فضاءات الحرية الفكرية المعصومة بمعارف قيمية لتبلغ بها ومعها قمة الهرم في بنية الحضارة الإنسانية خلال حقبة من حقبات الوجود الإنساني ؟ سؤال في ذمة المستقبل العربي .
الإثنين, 24 صفر 1377 و.ر الموافق 8 النوار 2010 مسيحي الـعــدد 5767
|
| < السابق | التالى > |
|---|