قضايا و تحليلات
العولمة ... وأزمة الانتماء والهوية | العولمة ... وأزمة الانتماء والهوية |
|
|
|
تعارفت المجتمعات البشرية ، مذ بدأ تشكلها كونها مجموعات ،على ثقافة تحدد قيمها ومبادئها وسلوك أفرادها بما يضمن حياة جماعية ، لها أسس وثوابت تتخذها منطلقات تأسيسية لعلاقات سليمة وفاعلة ومنتجة.
تشير الدراسات إلى أن أنماط القيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وإن شهدت تغيراً في الشكل ، وعدم ثبات أنساقها المتبعة، فلقد حافظت على جوهر ثابت يهدف إلى صقل وتقويم أشكال العلاقات بين المجموعة الواحدة ، من وبين أية مجموعة و المجموعات المتقاربة والمتباعدة، من جهة ثانية ، وذلك وفق ما تفرضه طبيعة المصالح المشتركة ، وحتمية التواصل والتعارف والتقدم الحضاري ، بما لا يتناقض ومبدأ الحق في حرية التعبير والتعليم والمعتقد، فكانت الثقافة تكريساً لقيم أخلاقية تعزز كرامة الإنسان وتصون حقه في حياة حرة كريمة ، تؤمن له توازنات اجتماعية وحرية تعبيرية ، وسلوكيةإنسانية ورقيا فكرياً وسموا روحياً.
تأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن الثقافة الدينية ثقافة أخلاق سامية، تهدف إلى تشذيب النفس البشرية، وصقل جوهرها وتحريضها على تطوير وتبني مجموعة القيم والمفاهيم التي تعارفت عليها المجتمعات بالفطرة بوصفها قيما منبثقة من طبيعة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ومن شفافيتها ، ومن ضرورة تعزيزها بمفاهيم العدل والحرية والحق والخير والمحبة والمساواة والإخاء والتعاون والإباء والصدق والكرم واحترام الآخر، وغيرها من القيم التي تضمر باتحادها دعوة إلى خدمة قضية الفرد ومصلحة المجتمعا وتؤمن هامشاً من تحدي الفرد لذاته ومحيطه وتؤكد روح المنافسة الشريفة التي تميز طبيعة المشتغلين في فضاءات معرفية تكرس نشاطات النخبة الفاعلة حرية فكرية وتمايزاً إنتاجياً ينبيئ بالتطور والتقدم والتفوق الإنساني ويضمن للأفراد والمجموعات حياة شريفة كريمة لافضل فيها لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح..ولقد ارتبطت الثقافة الدينية بثقافة أخلاقية تمركزت وظيفتها في تفعيل دور الوعي الاجتماعي ، وما ينتج عنه من دقة في تنظيم سلوك الأفراد والجماعات، وقدرة على جعل المسؤولية فعلاً أخلاقياً ، ترعاه مجموعة من القيم والمبادئ السامية ، التي تحرض على تحديد الانتماء ، وتوجيهه إلى وسط « ثقافي - اجتماعي » « فكري - إنساني» يكسب الأفراد والمجموعات القدرة على التمسك بالثوابت وتحفيزها برؤى قيمية مختلفة لا تتنافر مع شروط وسط التجربة الجديدة ، ولا تلغي ثوابتها لأن التنافر لا ينجب والإلغاء يعطل إمكانية إجراء الاختيار وفي الحالين ينعدم الفعل المنتج ثقافياً وأخلاقياً وحضارياً استنادا إلى هذه المعطيات تبرز حقيقة ما تعاني منه معظم المجتمعات ، اليوم وبخاصة المجتمعات العربية من أنها مجتمعات مصابة بتشوهات وتشققات وتصدعات في بنيتها الثقافيةالأخلاقية، لأسباب متنوعة ، لعل أكثرها خطراً تحريف ثقافة الأخلاق ، وتحويلها عن منابعها وربطها بأحادية ثقافية تفرضها عولمة المصالح ،وما ترمي إليه من تحقيق أهداف ذاتية، غايتها السيطرة الاقتصادية والسياسية والفكرية ، فتسعى إلى تعزيز إعلام يهاجم العادات والتقاليد والأصول الموروثة والمناقب، ويشجع على تبني ثقافة الفوضى واللا انتماء إلى ، تهديد بإلغاء الثوابت القيمية ، وبتعطيل أي فعل توليدي منبثق عن أصل ، وهذا ما يجعل الوطن العربي عرضة لأزمة ثقافة، وأزمة أخلاق وأزمة انتماء وأزمة هوية.
ثقافة الأخلاق وأزمة الانتماء والهوية.
يرتبط مفهوم الثقافة ، لغوياً ، بتقويم الرمح، والرمح، أداة دفاع عن الوجود ، وجهته الأمام وتشير كلمة الثقافة عملياً إلى إتقان العلوم والفنون والآداب بغية تهذيب الأخلاق وتقويمها وصقلها ، وبهذه الفرضيات اللغوية والعملية تبرهن الثقافة عن دورها التحصيني والدفاعي والحركي ، كونها السلاح المعنوي الذي يصون جوهر الثوابت ويحصن حدودهابخطة دفاع، قوامها حركة تطور الأشكال ولا تلغي الخطوط الفاصلة بين القيم الأخلاقية وأضدادها، وبقدر ما يكون منطلق هذه الحركة ثابتاً وفاعلاً يكتسب الرمح الثقافي قوة تأسيس قيمية تعزز المفهوم السليم لقيم تتحرك باستمرار باتجاه الأمام من أجل التأكيد على مستقبل محصن بالمباديء والقيم فالثقافة من الوجهة الدلالية هي مجموعة القيم والمفاهيم والسلوك والممارسات التي يتبناها الأفراد وفق ما تتعارف عليه الجماعات البشرية ليؤسسوا لفعل حضاري يختزل مجموعة التجارب الفكرية والحياتية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومن ثم ليكرسوا هذا الحراك الثقافي حضوراً دائماً في فضاءات الفكر الإنساني فالثقافة هي « المخطط الأساس الذي يضعه المجتمع للسلوك الإنساني موضحا ما يجب عمله ، وما يحسن عمله ، وما يمكن عمله، وما يجب ألا يعمل فهي ليست وليدة الفوضى، وليست انفلاتاً من الضوابط ، بل هي وازع يحفظ الروابط بين أفراد المجتمع ويعصم مساراتها من الذلل والاعوجاج
ضمن هذه المعطيات ، كانت الثقافة العربية ثقافة أخلاق تمايزت بنظم معرفية وأخلاقية لها ثوابتها الدينية والاجتماعية ، وبهذه الثقافة الأخلاقية سجل العرب أعظم نتاج ثقافي وحضاري فاستقبلوا القيم الوافدة ولقحوا بها الثوابت القيمية في بنية المجتمعات العربية ، ثم أخرجوا المنتج الجديد ثقافة أخلاق تجاوزت جهوزية الأشكال وأحادية النمط ، من دون أن تصاب بفوضي التعددية ، أو بأوهام الاختلاف فشكلت ثقافة الأخلاق الوافدة محرضاً على توليد الجديد والمغاير لطبيعة الثقافات المتوارثة والوافدة، وبذلك كان للعرب فضل ثقافي أخلاقي ، نظرياً وعملياً إذ أوجدا معادلات اجتماعية جديدة أساسها تفعيل الأصيل بالوافد الذي لا يتناقض والقيم والمبادئ العربية.
أما اليوم ، فإن المجتمعات العربية تعيش حالة من الفوضى تتجلى في هشاشة بنية الثقافة الأخلاقية لأنها تفتقر إلى انتماء يكسبها هوية تحدد ماهيتها ،فهي من جهة تتبنى التطور الحتمي وتستسلم لإغراءات العولمة ، وتعلن خروجها عن الأصول بوصفها، في رأي بعض الحداثيين ، تحول دون حدوث التطور الاجتماعي ، وهي من جهة أخرى ، تتناقض مع المفاهيم القيمية للثقافة الوافدة، لأن المبشرين برسالية الثقافة الأخلاقية الوافدة ينظرون في شروحات أهدافها ويبالغون في توصيف دورها وفي اللحظة عينها يرفضون تطبيق مبادئها الحقيقية على أرض الواقع ، فهم مبهورون بشكل براق ومنشغلون به عن حقيقة الجوهر وحقيقة الأهداف.
لا أحد يجهل تغلغل القيم الغربية في خلايا المجتمعات العربية وما نتج عن ذلك من تشويه في هوية ثقافة الأخلاق، ومن تدمير للقيم التقليدية ،وبخاصة الإيجابية ، من دون إيجاد البدائل ، إذا إن ما يتسلل من قيم وافدة غريبة عن طبيعة البنية التركيبية للجسد المكون الاجتماعي العربي ، يظهر عدم إمكانية التفاعل مع الموروث الثقافي ، فجاءت العلاقة بثقافة الأخلاق الوافدة شبيهة بفيروس غريب عن طبيعة الجسد السليم ، فسواء تم كشفه ومعالجته أم لم يتم ذلك فهو يهدد بصراع وإنهاك صراع بين قيم أصيلة وقيم وافدة ينبثق عنه فرضيتان.
إما أن تتلاشى القيم الموروثة وتزول، ليحل مكانها الوافد الغازي مبدلاً في جينات هذه الأمة التي يفترض بها، مع المنظومات الجديدة التخلي عن تاريخها وحضارتها وقيمها الماضية.
وإما أن يقاوم الجسد العربي ويخرج من التجربة الجديدة بأقل خسارة ممكنة، وقد استفاد من تجربته الجديدة والمغايرة فيقوم بعملية فحص وفرز لكل من الموروثات الوافدة فيثبت الصالح وتعزز قيمه، ويلغى مايتنافى وكرامة الإنسان.
هذا وتشير المعطيات المستقاة من واقعنا العربي إلى رجحان الفرضية الأولى على الثانية.
فالشباب العربي ينشأ في مجتمعات حافلة بالمتناقضات والإنشطارات إذ إن الشعارات شيء وممارستها على أرض الواقع شيء آخر تحشى أفكار الطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات بمنظومات أخلاقية قائمة على التنظير الغيبي البعيد عن الواقع المعاش ، فهي نظريات تدعو إلى الاعتراف بالآخر وإلى اعتناق قيم المحبة والخير و الجمال والابتعاد عن الكذب والغش والنميمة إلى جانب منظومات لاحصر لها قوامها قيم الحرية والعدل والمساواة وتعلم روح المسؤولية والاعتراف بالآخر ولكن هذه الصياغات النظرية لا تتجاوز حدود التعريف والشعارات بعيداً عن تفعيلها في معادلات اجتماعية تتبناها تراكيب اللغة العملية اليومية على أرض الواقع . ففي الممارسة :
ــ يدعو الوالد ابنه إلى التمسك بقيم الصدق والاستقامة والوفاء والتسامح .. إلخ ، وتضطره قسوة العيش إلى الكذب والانبطاح والحقد ، وإذا تمسك بمبادئه تضطرب شخصية الأبناء بين قيم تحمي الروح من التلوث بالمفاهيم الخلقية المتداولة وبين واقع مرير أوصلت إليه الثوابت الخلقية ، من رفض اجتماعي وعوز مادي وعزلة نفسية .
ــ يدعو الأستاذ طلابه إلى اعتناق مبادئ الحرية وهو عبد في إرضاء رؤسائه ليحافظ على ما يسد به عوزه أو يكون مرفوضاً منبوذاً في مجموعة تحترمه في قرارة نفسها ، وتكرهه وتحرض على وجوده في السر والعلن .
ــ يحاضر الأستاذ الجامعي بالقيم والمبادئ والمفاهيم والأصالة والوطنية ولكنه يتخلى عنها لحظة خروجه من قاعة المحاضرات إذ لم يكن قد نقضها في أثناء المحاضرة !
ــ يخاطب السياسي الشعب بوصفه المسؤول عن سلامة المواطن وأمنه وسلامه ويكون في اللحظة عينها يفكر في إرضاء من أملوا عليه عناوين خطابه ويسأل في نفسه عن طريقة جديدة تساعده على استغلال أكبر عدد ممكن من أدمغة الشباب لقاء جوائز ترضية تخدر ولاتشفي .
ــ يطالب المجتمع الدولي بتحقيق المساواة وتعليم المرأة وإعطائها حقها الطبيعي في ممارسة إنسانيتها ولكن أين هي المساواة ؟ وأين العدل ؟ وأين حقوق المرأة ؟ وأي بلد تحققت فيه مثالية المنظمة العالمية لحقوق الإنسان ؟
إذا كانت تجربة بعض الدول تجربة ناجحة على مستوى الاشتراكية أو الديمقراطية فلماذا سقطت الاشتراكية وتشوهت الديمقراطية ؟ إذا كانت المنظومة الثقافية الغربية صالحة لشعوبها فما تبرير مظاهر الفقر وتزايد الجرائم ؟ وإذا كانت حرية التعليم والتعلم تفتح آفاقاً معرفية وتزيل المعوقات والحواجز الفكرية فلماذا يتراجع مستوى الابداع على صعيد الأفراد ويتزايد عدد الأصنام الثقافية ؟ وإذا كانت حرية التعبير من ضرورات الفعل الإنساني المنتج ، فلماذا تنتهك حرمة العقل وتصادر إرادته ؟ وإذا كان تعليم المرأة باباً إلى تحقيق وجودها بالممارسة الفكرية والسياسية والاقتصادية في جميع المسارات الحياتية فلماذا لا يصل إلى مركز ما إلا نساء محميات بدعم من السلطة الذكورية ؟ و لماذا يسيطر الرجل على المؤسسات العليا في معظم دول العالم ؟.
إن معظم المجتمعات وبخاصة المجتمعات العربية مصابة بهذيان ثقافي واضطراب إيديولوجي أوجدته فوضى فكرية تهدم التماسك النفسي من دون إيجاد البدائل المؤسسية والمجتمعات العربية تحديداً تعيش حالة من التناقض في استيراد المفاهيم الثقافية والحضارية وتطبيقها فالأفراد مشددون إلى ثقافة الأخلاق الوافدة وفي الوقت عينه يرفضون الاعتراف بها تشدهم شخصية المرأة الأجنبية ويزعجهم وجود المرأة الواثقة بنفسها والمثقفة يتغنون بالحرية ويعملون على اغتيال جوهرها يتمردون على الموروث وينقادون إلى أشكاله المفرغة من المضمون يبالغون في استهلاك أدوات التقنية الجديدة ويعيبون استخدامها بتسمياتها الأجنبية غير مدركين طبيعة اللغة العربية وقدرتها الفيزيائية والتحويلية يتغنون بالماضي ويجهلون خصائصه وميزاته .
لاشك أن الغالب اليوم هو أن الشخصية العربية شخصية مضطربة تجهل ذاتها ودورها ويبهرها أي وافد أجنبي لأنها تعاني من اهتزاز في القيم ومن شعور بالدونية أمام كل وافد ولو كان مشوهاً وهذا ينذر بحدوث تصدعات في بنية الفكر العربي وتشوهات في خلايا تر كيبته الجديدة قد تؤدي إلى إنهاك الذات العربية وخسارة الشعور بالانتماء إلى أصل يضمن ثباتها في معركة تهدف إلى تشويه الهوية وإلغاء مفاهيم ثقافة الأخلاق لتكون تابعاً سهلاً ضمن أية معادلة دو لية مفترضة لأن اهتزاز قيم ثقافة الأخلاق يهدد بفقدان الأصالة الحضارية وضياع الإحداثيات وغياب الثوابت الثقافية التي عبر عنها محمود الذوادي بقوله :" إن تخلخل القيم يؤدي في مجتمعات الوطن العربي والعالم الثالث إلى ما أسماه علماء الاجتماع بالشخصية المضطربة تصبح بنيتها أكثر تفككاً واستعداداً لتشرب القيم الأجنبية الوافدة ، وذلك بدوره يؤدي إلى حالة من التذبذب على مستوى الانتماء الثقافي .
ومما لاشك فيه أن المفاهيم الحضارية الجديدة ببعديها المادي والمعنوي تؤثر في منظومة القيم الأخلاقية بنسب متباينة تحددها قابلية قيم العادات والتقاليد لحركية التطور الحضاري ومدى قدرتها على التأثر والتأثير من خلال تحديد مساراتها الجديدة ومن خلال ترسيخ ثوابتها ومواجهتها لجحافل الغزو الأخلاقي الهادف إلى هيمنة فكرية وإيجاد حالة ترهل وضياع وتبعية في مجتمعات نخرتها عادات وتقاليد وقيم مهزوزة ولكن المجتمعات العربية لها قيم ثابتة أصيلة قابلة للتطور في الأنماط والأشكال .
الأحد, 23 صفر 1377 و.ر الموافق 7 النوار 2010 مسيحي الـعــدد 5766
|
| < السابق | التالى > |
|---|