مـقـــالات
فى مواجهة رؤوس المسخ | فى مواجهة رؤوس المسخ |
|
|
|
ماذا لو تتبعنا خطى الروائى الشهير ( جيمس جويس ) في عوليسيته وأعدنا إنتاج الأوديسة لتواكب مؤتمر القمة الإفريقي الأخير فى أديس أبابا ، وأن نقتلع ونفك رموز وطلاسم تلك الملحمة التاريخية ونعيد تشكيلها ورسمها بلغة اليوم ؟ سنصاب بحالة حيرة ودهشة موجعة ، ليس لأن الأحداث لم تعدمهمة ، أو أن الدماء قد توقفت عن السيلان ، وشياطين الشر قد ماتوا ، وليس لأن الشخصيات والمواقع مُفتقرة ، والخير عم الأرض وانتهى الأنين الموجع ، بل لأن الأبطال اختفـــوا من أمــــام وخــــلف ( أخيل) ، وبعده ( أوديسيوس ) ، ولسنا بصدد اختراع حصون وأماكن قتال جديدة ومعارك ودماء ، فما يوجد من أماكن قتال في إفريقيا يفوق عشرات المرات سهل طروادة ومضيق مسينا ودروب الأمازونيات وشواطىء الإغريق الغاضبة ، فعلى بعد فراسخ من مكان المؤتمر الأخير وفي الصومال تدور أكثر المعارك شراسة يوميا وأكثر عنفا مما حدث على أسوار طروادة ، وما يجوب سواحل البحر الأحمر من سفن القراصنة أكثر عددا من سفن القراصنة الأثينيين الذين حاصروا قلعة طروادة ، وما يُطلق من نيران يوميا فى إفريقيا لا يقارن بتلك الأقواس والسهام التي حملها مقاتلو ( إيليوم أو أوديسيوس أو داريوس ).
كما أن عدد المجندين في حروب القارة أكثر من تلك العصبة المقاتلة التي حاربت بجانب الآلهة أولمب ، أو الأسبرطيين الثلاثمائة ،أو أولئك الذين غير بهم الإسكندر وجه الشرق ، أو أولئك الذين رافقو هانيبال حين عبر جبال الألب وحاصرأسوار روما ، ثم أن الأموال التي تُنفق في حروب القارة أكثر ملايين المرات من تلك العملة الفضية البدائية البائسة التي كانت تُمنح جزية هنا وهناك إثر تحالفات كورنثيا وإسبرطة وأثينا وتروي نفسها ، ثم أن زعماء مجالس طروادة وأثينا وكورنثيا وإسبرطة أقل عددا وإمكانية من أعضاء برلمانات إفريقيا ونوابها ورؤساء حكوماتها وأمراء حروبها ، ولكن أمر إعادة إنتاج الملحمة سيكون عصيا ، ليس لضمور الخيال وقصور الفهم والاستيعاب والمقارنة ، ولكن لضياع الحكمة ، لكن المشكلة هي أنه لا يمكن ممارسة الوله بالتاريخ والشغف به دون وجود مصدر حكمة ورسالة للأجيال ، وإلا سيصبح عندها الأمر شيئاً من القبح ولو صيغ بأجمل العبارات ، تظل أمام أفريقيا فرصة نادرة للولوج إلى مصاف الحقيقة ، على يد فارسها الذي قطع آلاف الأميال ليقف فى مجلس الأمن الدولي ليكتب ( نحن هنا ) في تحدٍ مخيف عند مركز قلب العتمة المعادية لنور الشمس ، ويشعل بريقا من التحدي الأسطوري مستجمعا إرادته الملحمية دون أن يهتم بهمهمات الخوف من حوله والعيون المسكونة بالترقب ، والأنفاس المحتبسة على ناصية الأماني ، والوحوش ذات الرؤوس المتعددة والأيدي الكثيرة ، كان أمام القارة الملتاعة بشوق السلام والمجروحة بحراب الماضي والحاضر أن تستجمع قواها الذاتية خلف فارسها وتمتطي صهوة المستقبل الراكض أبداً نحو أفق الغد متسارعا بلا رحمة متعجلا خطاه نحو مزيد من الجموح فيما يقدمه من منتج وما يصنعه من فوارق بين الشعوب ، مخلفا أكواماً من الضحايا دائسا بعجلته الملايين بلا شفقة مثلما تداس إفريقيا بلا رحمة وبعنف أمام العالم الصامت الراضي غير المبالي ، ففي حين تعيش شعوب بعض القارات مرحلة مابعد الرفاهية فإننا نشاهد كيف يموت شباب القارة على عجلات المطاط وزوارق الموت ومراكب التهريب في عرض البحار المتوحشة ، سعيا للقمة عيش قل أن يجدها بكرامة في بلده ، ونشاهد أيضا كيف يموت آلاف أطفال القارة بسبب الجوع ونقص الأمصال والأوبئة والأمراض ، لكن لأن القارة تفتقد للحكمة ، ونخبها السياسية تضع نظاراتها السوداء المعتمة على عيون لا تبصر من أساسها ، مخدوعة بحنين الاستسلام لمغانم شخصية على حساب مصير قارة بقيضها وقضيضها ، نائمون على أكذوبة أن النار قد أودت بأسطول تجار الرقيق وأن العواصف قد دمرت مرفأ جزيرة العبيد بالسنغال ، وأن الوقود قد نفذ عن تجار العبيد ، وأن العولمة قد تكبح جماح الحنين لسفك الدماء وإعادة إنتاج الماضي ، وأن المحاربين الأوربيين قد توقفوا عن رحلات سفارى صيد الأسود والسود والجواهر ، وأن تجار التهريب قد تابوا إلى الأبد على يد رهبانات الفضيلة وشربوا كأس التوبة ، وأن إفريقيا قد تنام بهدوء إلى صباح الأزل ، وأن ( بوليفيموس) المسخ المتوحش آكل لحوم البـشــــر قد قُتل ، وأن الغـــــول ( سكيلا ) التي تبتلع المياه أمام المراكب قد ماتت وشبعت موتا ، وأن السماء هوت على الأرض ، وغرق أعداء القارة وغاصوا في الفوضى ، ويُخيل إلى تلك النخب أن السلام يعم ربوع القارة وأن مشاكلها قد حُلت ، وأنها ليست بحاجة إلى حكمة الفارس وقائد ملهم لمعارك لا أول لها ولا آخر ، لبعدهم عن الواقع ، وتزييفه ، لأنه في الواقع هنالك قتال حقيقي في أغلب المناطق وحتى حول قصور بعض تلك النخب ، وربما لو استمعوا جيدا لوصل إليهم صوت تفجيرات مقديشو حتى وهم في صالاتهم الوثيرة وستائرها الخلابة الملونة ، والغريب أن القارة التي توقف فيها الزمن عن الدوران قبل أيام من انعقاد القمة ، والتقطت شعوبها أنفاسها بعد معارك الكرة الوهمية إثر نهائيات كأس القارة التي سلبت الأضواء من أصوات المعارك ومن استعدادات القمة ، وانتصر فيها المصريون بالحكمة وليس بالقوة ، مستحضرين قوة آمونية كامنة في لحظات مصير تحددها تسعون دقيقة على ملعب أخضر يخفي لونا أحمر فاقع لا يسر الناظرين مخلفا أحزاناً تافهة وأفراحا أكثر تفاهة ، هذا الأمر يشحذ الهمم لمعرفة أي مصير بشري يقود إليه التعامي عن المشاكل الحقيقية وإلى أين ستقود المعالجات السنتيمترية السطحية هذه القارة في ظل غياب الحكمة والإرادة فيها لقد لقي الغينيون مصيرا بشريا مروعا فقد تخلت عنهم الأقدار، ولا ريب في أن تناول القمة الإفريقية الأخيرة من وجهة نظر التاريخ سيكون مصدر عبرة وإفادة ، وهذا تقليد موروث وأصيل في تراث الحضارات والشعوب الغابرة ، فاليونانيون كانوا يسمعون لكلمات عدوهم ملك الفرس داريوس ليعتبروا ويتعضوا ويستعدوا ، و كان هوميروس صاحب الأليادة والأوديسة عبقري زمانه يُسمع قومه أناشيد ملك طروادة ، فبحسب المتتبع لمؤتمر القمة الأخير فإن شاشات (التلفزيون) العالمية كانت تبث صورة واحدة ومن قاعة واحدة لاجتماعات واحدة ، لكن الحقيقة هي أن الصور الواحدة كانت من عالمين مختلفين ولفريقين مختلفين يتقابلان على أرض واحدة ، وإذا كان ( أوديسيوس ) يصارع كائنات ممسوخه ووحوشاً بسبعة رؤوس ، فإن أعداء إفريقيا في المكان نفسه كانوا بعشرات الرؤوس ، وكان على البطل أن يطلق صرخته الأسطورية كي يصل صوته خلف مغاليق الشاشات وبعيدا إلى حيث تستمع الأمهات الإفريقيات لكلماته بلا فلترة ، وبلا صدى ، لأن قلوبهن لم تُقفل ، وآذانهن لم تُصمّغ ، وحيث يمكن للبطل أن يستنشق رائحة الأكسجين الصافي لا هواء الصالات الملوث بروائح السيجار الكوبي الرخيص للنخب ، لم يصارع البطل قوى ظلامية مجهولة فقط وإرادات دولية متعددة ، بل ونخباً سياسية واضحة ومعلنة ، كأنه يتحدى بصدقه وإرادته رؤوس المسخ المتعددة كتلك التي يواجهها الأبطال في رحلات النجاة والتحدي ، لقد خُيل للنخب أن البروتوكولات والأعراف الدبلوماسية هي التي ستحمي سفينة إفريقيا من الغرق ، وأن التمسك بلوائح شكلية هو الذي سيحل مشاكل القارة ، وذلك بسبب القصور وعدم القدرة على معرفة معادن الرجال ، وانعدام التفريق بين المعرفة والجهل ، بين الحماقة والحكمة ، فالبطل الذي صنع الاتحاد ، حكيم القارة ومفكرها ، الذي نجح فيما فشل الآخرون ،، يدرك أن المنطق لا يحمله مسؤولية أفعال الآخرين ، غير القادرين على تصويب أخطائهم ، خصوصا وأن تاريخ القارة هو عبارة عن سلسلة من الأخطاء المتكررة ، فقال كلمته المعبرة وهي أنه لا سبيل لإخراج القارة من الفوضى ، ومن الحالة المزرية بسبب تلك الوحوش ذات الرؤوس المتعددة ، وعلى خلاف عالَم المأساة الدراماتيكي ، يسعى البطل في عالم الحقيقة للانتصار على معوقاته بشكل دائم ومستمر ، وهي عادة الفرسان وبشكل يتناغم مع معتقداته الثورية التي لا تقبل التوقف عند أفق محدود ، وكأنه يستمد طاقاته من موروثه التاريخي ، ( فعوليس ) انتصر من خلال إقرانه للحكمة والسياسة معاً ، أما أولئك الذين جمحت أهواؤهم وعميت بصيرتهم ، مثلما حدث للملك أوديب ، فقد خسروا كثيرا وأصابهم شىء من ذهاب العقل والحكمة ، وسوف يدركون ذلك قريبا وهم الخاسرون .
د /أبولقاسم اصميدة
الخميس, 20 صفر 1377 و.ر الموافق 4 النوار 2010 مسيحي الـعــدد 5764 |
| < السابق | التالى > |
|---|