مـقـــالات
الاتحاد الإفريقي .. واقــع وآفـاق | الاتحاد الإفريقي .. واقــع وآفـاق |
|
|
|
عملت الجماهيرية من خلال جهودها السياسية تجاه إقامة مشروع الاتحاد الإفريقي كونها خطوة استراتيجية مهمة تجاه الحد من الضغوطات الخارجية من جانب ؛ وتحقيق حتمية الدولة القومية العربية داخل إطار الاتحاد الإفريقي من جانب آخر ؛ وتحقيق حتمية تشكل الفضاء الإفريقي الذي تنشده الشعوب الإفريقية منذ تأسيس فكرة الوحدة الإفريقية المتمثلة في الجامعة الإفريقية 1900 - 1963؛ ومنظمة الوحدة الإفريقية 1963 - 1999م .
ولقد عملت الجماهيرية من خلال جهودها السياسية أيضاً على أن يكون القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي قادراً على الاستجابة للتطورات العالمية والتكيف مع التغيرات التي يشهدها العالم ؛ فالدور الليبي ظهر واضحاً من خلال كلمة رئيس الوفد الليبي في الاجتماع التحضيري الأول لوزراء خارجية الدول الإفريقية بشأن وضع التصورات الأولى للميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي الذي عقد بمدينة سرت عام 2002ف.
حيث أكد رئيس الوفد الليبي في كلمته بقوله .. "إن الأهداف الجديدة التي ينبغي أن تندرج في الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي ينبغي أن تشتمل في مجملها على ضرورة العمل الإفريقي المشترك في التصدي للتحديات المتعددة على ضوء ما يشهده النظام العالمي من تغيرات ؛ وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية ؛ وفض النزاعات الإفريقية بالوسائل السلمية
إن توظيف الجماهيرية لمشروع الاتحاد الإفريقي تجاه المشروع القومي العربي يرتكز على الحقيقة الموضوعية التالية .. " الاعتماد المتبادل يمكن تعريفه على أنه ظاهرة عبر قومية متعددة تتضمن أنماطاً تفاعلية متعددة الأبعاد ومتعددة القطاعات ينتج عنها درجة عالية من الحساسية التفاعلية بين أعضاء الفضاء .. كما ينتج عنها درجة تأثير عالية من قبل أعضاء الفضاء نتيجة تأثيرهما بالقوى والأحداث الدولية .
ترى الجماهيرية من خلال تطلعاتها السياسية الخارجية أن الدولة القومية من أجل أن تحافظ على كيانها ينبغي لها أن تختار فضاء ًدولياً يساعدها على مواجهة المتغيرات الدولية التي تفوق قوتها في التأثير على إمكانات الدولة القومية سواء على الصعيد " السياسي ؛ أو الاقتصادي ؛ أو الاجتماعي ؛ أوالثقافي " ؛ بل حتى على الصعيد العسكري ؛ وبهذا فإن الجماهيرية توظف المشروع الاتحادي الإفريقي تجاه المشروع القومي العربي من خلال ما يعرف في علم العلاقات الدولية بنموذج " العالميين المتفائلين " ؛ أو الاندماجيين العالميين حيث ينطلق هذا الاتجاه من فكرة أساسية محورها .. " إن الاعتماد الدولي المتبادل يوجد الحاجة إلى التعاون ؛ كما يوفر الإطار الضروري لتحقيق هذا التعاون .
وما يزيد حقيقة هذا التوظيف الليبي للمشروع الاتحادي الإفريقي من خلال التأكيد على الفرضية التالية .. " إن الاقتصاد العالمي لم يعد مجرد مجموعة من الأسواق القومية المستقلة المغلقة ولكن تظهر في إطاره قوى اندماجية يبرز معها اتجاه جديد نحو التعاون عبر الحدود ، ونحو التداخل بين القرارات الاقتصادية للدول على نحو يحرك العالم نحو مجتمع عالمي لايعرف الانقسام .
ومن المهم الإشارة إلى أن التوجه القومي للسياسة الخارجية للجماهيرية تجاه المشروع الاتحادي الإفريقي لم يكن نتيجة الدافع العاطفي المبني على رغبة " نخبة the eilit " حاكمة تهدف إلى تحقيق رؤية مصلحية ، بل إن الدافع الكامن وراء توجه الجماهيرية تجاه المشروع الاتحادي الإفريقي يتمثل في نوعين من الدوافع هما :
1) الدافع الخارجي على اعتبار أن النظام الدولي المعاصر قد ساهم في فرز متغيرات دولية ساهمت بدورها في تغيير الواقع " السياسي " ، الاقتصادي ، الثقافي " للمجتمعات الإنسانية ، وما خلفته هذه المتغيرات في كثير من الأحيان من ترك الأثر السلبي على واقع الدولة الوطنية " القطرية "
2) الدافع الداخلي - يتمثل في ظاهرة الخلافات العربية - العربية التي ظهرت في أواخر النصف الأول من القرن العشرين لتمثل مظهراً من مظاهر السياسات الخارجية للدول العربية ، ومدى تعثر جامعة الدول العربية تجاه الخلافات السياسية بين النخب السياسية الحاكمة للدولة القطرية العربية ، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى حالة عدم الوفاء بالمواثيق والمعاهدات الملتزمة بتنفيذها في إطار جامعة الدول العربية ، وتظهر أهمية إنشاء الاتحاد الإفريقي وفق المنظور السياسي للجماهيرية كونه قادراً على التغلب على مثل هذه الإشكالية باعتباره اتحاداً قاريا إقليمياً جديداً قادراً على وضع قواعد قانونية قادرة على استيعاب الحاضر ومتحسباً لإشكاليات المستقبل ، بدليل الفقرة الثانية من المادة الخامسة من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي التي تعطي الحق لسلطة الاتحاد الإفريقي في إنشاء أي أجهزة أخرى لفض النزاعات عند اللزوم .
هذا يمثل خطوة إيجابية جديدة غير موجودة في قانون المنظمات الدولية - وهي خطوة على صعيد دعم العمل الإفريقي المشترك .. كما يمتاز الجهاز القضائي للاتحاد الإفريقي الذي يمثل استكمال البناء القانوني المؤسس للاتحاد الإفريقي بالخصائص التالية :
أ- تسوية النزاعات التي تظهر بين أعضاء الاتحاد الإفريقي من أجل الحيلولة دون التدخل الخارجي .
ب - القيام بدور الوظيفة الإفتائية التي تقدم الرأي القانوني لمختلف المسائل القانونية التي تدخل في نطاق عمل الجهاز القضائي.. كما يظهر التوظيف الحقيقي للجماهيرية للمشروع القومي العربي عن طريق الاتحاد الإفريقي من خلال كلمة القائد (معمر القذافي ) أثناء زيارته الرسمية الأولى إلى إيطاليا حيث أكد أمام عديد المسؤولين الإيطاليين والأوساط الثقافية الإيطالية على حق إفريقيا في أن تتحصل على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي على غرار جمهورية الصين الشعبية تعويضاً عن المعاناة التاريخية التي عانتها إفريقيا من حقبة الاستعمار ، وحتى لاتتكرر الاستهانة بحقوق المواطن الإفريقي كما حدث في الصومال وفي عديد الأماكن الأخرى كالعراق ، أفغانستان ، ويوغسلافيا".
وفي سبيل تعزيز هذا الواقع ـ المتمثل ـ في.. حرص الجماهيرية على ضرورة تحقيق البعد الأمني داخل الإطار الهيكلي للاتحاد الإفريقي حيث تمثلت هذه الحقيقة في كلمة الأخ قائد الثورة في الدورة الخامسة عشرة لحركة عدم الانحياز المنعقدة بجمهورية مصر العربية - بمدينة شرم الشيخ بتاريخ 15 / ناصر 2009 من خلال إشارته - إنه بحلول شهر الفاتح القادم من عام 2009 سيتم الإعلان عن مطلب الاتحاد الإفريقي رسمياً الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن من خلال عرض الطلب على الجمعية العامة للأمم المتحدة .
إن توظيف الجماهيرية لمشروع الاتحاد الإفريقي بما يحقق مصلحة المشروع القومي العربي - من خلال المستوى الاقتصادي على اعتبار أن الاقتصادات العربية تعاني من مشكلة الديون الخارجية التي بلغت نحو 2.4 مليار دولار عام 1975ف ، إلى 153 مليار دولار عام 1990 ، وبلغت أعباء الديون العربية حوالي 17 مليار دولار عام 1990م ، وتشير الدراسات الاقتصادية الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن هذه الإشكالات الاقتصادية للدول العربية سوف تزداد بحلول عام 2010ف ، إلى ما مقداره أكثر من 20 مليار دولار أمريكي .
بهذا الواقع ترى الجماهيرية أن التوظيف الإفريقي لمصلحة المشروع القومي العربي يمثل خطوة إيجابية مهمة للتخلص من مشكلة " العجز ، التنمية " للاقتصادات العربية ومن الإخفاقات المتلاحقة في برامج الإصلاح الاقتصادي التي ترجع وفق المنظور السياسي للجماهيرية إلى جملة من الأسباب أهمها :
(أ) تسرب رأس المال العربي إلى الدول المتقدمة عموماً
،الأوروبية والأمريكية على وجه الخصوص .
(ب) تجميد الاتفاقات العربية الاقتصادية منها السوق العربية المشتركة التي قامت 1964 . وذلك للأسباب التالية :
- اختلاف الأنظمة الاقتصادية العربية .
- عدم رغبة " بعض " الدول العربية في التنازل عن بعض السلطات العامة لإنجاح هذا التكتل الاقتصادي العربي .
- تباين الهياكل الاقتصادية والاجتماعية ، وتفاوت الموارد والطاقات ووجود خلل في التركيب المحصولي للدول العربية
من هنا يمكن تقييم الوضع العربي بأنه وضع تراجعت فيه جميع المؤشرات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، وهذا التراجع أوضحته الأمم المتحدة في برنامجها الإنمائي ، حيث رتبت الدول العربية في ضوء مؤشرات التنيمة بين 176 دولة كمايلي :
" البحرين 43 ، الإمارات 44 ، الكويت ، 53 ، قطر 54 ، ليبيا 64 ، لبنان ، 65 ، السعودية 73 ، سورية 78 ، تونس 81 ، الجزائر 82 ، عمان 88 ، مصر 109 ، المغرب 119 ، العراق 126 ، اليمن 148 ، موريتانيا 150 . السودان 158 ، جيبوتي 162 ، الصومال 173 "
وعندما قسمت الأمم المتحدة بلدان العالم إلى ثلاث مجموعات من حيث درجة التنمية البشرية فيها إلى مستويات
" تنمية بشرية عالية ، متوسطة ، ومنخفضة " فإن معظم الدول العربية تقع في المرحلة الوسطى ، أي التنمية البشرية المتوسطة ، ومع ذلك يعيش حوالي 73 مليون عربي تحت خط الفقر ، ويعاني أكثر من عشرة ملايين من نقص التغذية " وتؤكد الجماهيرية أن أسباب هذه الإخفاقات الاقتصادية للدول العربية تعود في حقيقها للأسباب التالية :
1ـ عدم التنسيق الوظيفي بين الدول العربية من ناحية القيادات والقطاعات الاقتصادية .
2ـ غياب الإرادة العربية الموحدة تجاه معالجة القضايا السياسية والاقتصادية المحيطة بالمنطقة العربية.
بهذا ترى الجماهيرية أن المتغيرات الدولية المعاصرة تسهم بدورها في زيادة إشكالية الواقع للدول الوطنية من خلال ما أنتجته تلك المتغيرات من مشاريع " تكتلات " اقتصادية إقليمية على غرار نموذج " السوق الشرق أوسطي ، والاتحاد من أجل المتوسط " تسهم بدورها في تفتيت الوطن العربي إلى أجزاء مبعثرة داخل هذه المشاريع الإقليمية ذات الطابع الاستعماري المعاصر ، حيث يمكن أن تنشأ في ظلها حروب تجارية واقتصادية على أساسها تضم دولاً أخرى من العالم الثالث تمتد من شمال الشمال الإفريقي والجزيرة العربية والشرق الأوسط إلى دول البلقان الأوروبية .
وفق ذلك المخطط الاستراتيجي الذي تسعى الإمبريالية المعاصرة إلى تحقيقه على أرض الواقع بما يخدم أهدافها وتطلعاتها يظل المشروع الاتحادي الإفريقي هو الملاذ الأمثل لكل من " العرب - الأفارقة " من حتمية الوقوع في قيد الاستعمار الذي يظهر في شكل مشاريع إقليمية جديدة اقتصادية الشكل استعمارية المضمون - وحتى تكون هنالك قيمة للذات العربية والإفريقية وهوية واحدة وهدف مشترك فإن البناء الإفريقي - العربي الموحد يمثل تلك الحقيقة للآمال المتفائلة بغد جديد يحمل بين طياته إشراقة فضاء إفريقي جديد قادر على تلبية متطلبات الشعوب الإفريقية والعربية ويحمي الذات والهوية في نظام عالمي لايؤمن سوى بالتكتلات العملاقة أو ما يعرف بمفهوم " نظام التوازنات الدولية الجديدة ".
الخميس, 20 صفر 1377 و.ر الموافق 4 النوار 2010 مسيحي الـعــدد 5764
|
| < السابق | التالى > |
|---|